تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
الحكم له أجر مع كونه علما وحكما . فأعطيت هذه الأمّة المحمّديّة رتبة سليمان - عليه السّلام - في الحكم ، ورتبة داود - عليه السّلام - . فما أفضلها من أمّة . ولمّا رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة انتقاله في تلك المدّة عندها
قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ
[ النمل : 42 ] وصدقت بما ذكرناه من تجديد الخلق بالأمثال ، وهو هو ، وصدق الأمر ، كما أنّك في زمان التّجديد عين ما أنت في الزّمن الماضي . ثمّ إنّه كمال علم سليمان التّنبيه الّذي ذكره في الصّرح .
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
وكان صرحا أملس لا أمت فيه من زجاج . فلمّا رأته حسبته لجّة أي ماء
وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
[ النمل : 44 ] . حتّى لا يصيب الماء ثوبها . فنبّهها بذلك على أن عرشها الّذي رأته من هذا القبيل وهذا غاية الإنصاف . فإنّه أعلمها بذلك إصابتها في قولها :
كَأَنَّهُ هُوَ
[ النمل : 42 ] .
شرح
( و ) المجتهد ( المخطىء لهذا الحكم له أجر ) واحد هو أجر الاجتهاد ( مع كونه ) ، أي كون ما أدى إليه اجتهاد المخطىء ( علما ) في الشرع ، أي أعطاه الشرع حكم العلم وهو وجوب العمل بموجبه ( وحكما ) يجب العمل به ما لم يظهر خطؤه ( فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان ) بالإصابة ( في الحكم ورتبة داود عليهما السلام ) بالاجتهاد ( فما أفضلها مرتبة ) . ثم أنه رضي اللّه عنه أشار بوجه آخر إلى كمال علم سليمان عليه السلام في قصة بلقيس ، فقال : ( ولما رأت بلقيس عرشها مع علمها ببعد المسافة واستحالة انتقاله في تلك المدة عندها قالت :كَأَنَّهُ هُوَ) حاكمة بالمشابهة والمغايرة ( وصدقت لما ذكرناه من تجديد الأمثال وهو هو ) في نفس الأمر ( وصدق الأمر ) في حكمه بالاتحاد ( كما أنك في زمان التجديد عين ما أنت في الزمان الماضي . ثم إنه من كمال علم سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح فقيل لها :ادْخُلِي الصَّرْحَوكان صرحا أملس لا أمت ) ، أي لا عوج ولا بثق « 1 » ( فيه من زجاجفَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةًأي ماء ، فكشفت عن ساقيها حتى لا يصيب الماء ثوبها فنبهها بذلك على أن عرشها الذي رأته من هذا القبيل . وهذا غاية الإنصاف فإنه أعلمها بذلك ) ، أي بكون الصرح مماثلا للماء ( إصابتها في قولهاكَأَنَّهُ هُوَ) ، فإنه كما كان الصرح مماثلا للماء
هامش
( 1 ) البثق : كسرك شطّ النهر لينشق الماء . ابن سيده : بثق شقّ النهر يبثقه بثقا كسره لينبعث ماؤه ، واسم ذلك الموضع البّثق والبّثق ، وقيل : هما منبعث الماء وجمعه بثوق . ( لسان العرب مادة : بثق ) وفي مختار الصحاح : بثق السيل الموضع أي خرقه وشقه فانبثق أي انفجر ، وبابه نصر .