تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فرأى في ذلك الزّمان بعينه سليمان عليه السّلام عرش بلقيس مستقرّا عنده لئلا يتخيّل أنّه أدركه وهو في مكانه من غير انتقال . ولم يكن عندنا باتّحاد الزّمان انتقال ، وإنّما كان إعدام وإيجاد من حيث لا يشعر بذلك إلّا من عرفه ، وهو قوله تعالى :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
. ولا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راؤون له . وإذا كان هذا كما ذكرناه ، فكان زمان عدمه - أعني عدم العرش - من مكانه عين وجوده عند سليمان من تجديد الخلق مع الأنفاس . ولا علم لأحد بهذا القدر بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنّه في كلّ نفس لا يكون ثمّ يكون . ولا تقل « ثمّ » تقتضي المهلة ، فليس ذلك بصحيح ، وإنّما « ثمّ » تقتضي تقدّم
شرح
تعرض لفعل آخر فلما رآه مستقرا ( فرآه في ذلك الزمان بعينه ) ، أي رأى ( سليمان عليه السلام عرش بلقيس مستقرا عنده ) وإنما قال مستقرا عنده ، ولم يقتصر على قوله :فَلَمَّا رَآهُ( لئلا يتخيل ) على صيغة البناء للمفعول ( أنه أدركه وهو في مكانه ) برفع الحجاب بينهما ( من غير انتقال ولم يكن عندنا ) ، أي لم يتحقق عندنا يعني المكاشفين بالخلق الجديد ( باتحاد الزمان ) ، أي بسبب وحدته وكونه آنا ( انتقال ) لأن الانتقال حركة والحركة زمانية ( وإنما كان إعدام إيجاد ) في آن واحد بأن إعدامه في سبأ ووجدانه عند سليمان عليه السلام ( بحيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرفه ) ، أي الخلق الجديد الحاصل في كل آن ( وهو ) ، أي عدم شعورهم بذلك ما يدل عليه ( قوله تعالى :بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ[ ق : 15 ] ولا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ) ، أي في ذلك الوقت مثل ( ما هم راؤون له ) في وقت قبله فيتوهمون أن المرئي في الوقتين واحد فلا يفهمون الخلق الجديد . ( وإذا كان هذا ) ، أي حصول العرش عند سليمان ( كما ذكرناه ) ، أي بطريق الإعدام والإيجاد ( فكان زمان عدمه أعني عدم العرش من مكانه عين وجوده ) ، أي عين زمان وجوده عند سليمان ( من ) قبيل ( تجديد الخلق مع الأنفاس ) بأن يكون في كل نفس بل في كل آن وجود مجدد شبيه بالوجود السابق على قدر خفي من التفاوت ( ولا علم لأحد بهذا القدر ) من التفاوت فيتوهم أن الوجود المتجدد بعينه هو الوجود الزائل ، فلا يشعر بتجديد الخلق مع الأنفاس ( بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه في كل نفس لا يكون ) لزوال وجود ( ثم يكون ) لعرض وجود آخر ، لأن زمان الزوال والعروض واحد والوجودان يشبهان من غير تفاوت ( ولا تقل ) لفظة ( ثم ) في قولك : لا يكونان ثم يكون ( تقتضي المهلة ) أو تخلل الزمان بين العدم والوجود فلا يكونان في زمان واحد ( فليس ذلك ) ، أي