تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
عليهما السّلام من قوله تعالى :
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ
[ ص : 30 ] . والهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الجزاء الوفاق أو الاستحقاق . فهو النّعمة السّابغة والحجّة البالغة والضّربة الدّامغة . وأمّا علمه فقوله تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
مع نقيض الحكم
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
[ الأنبياء : 79 ] . فكان علم داود علما مؤتى آتاه اللّه ، وعلم سليمان علم اللّه في المسألة إذ كان هو الحاكم بلا واسطة . فكان سليمان ترجمان حقّ في مقعد صدق . كما أنّ المجتهد المصيب لحكم اللّه الّذي يحكم به اللّه في المسألة أو تولّاها بنفسه أو بما يوحى به لرسوله له أجران ، والمخطيء لهذا
شرح
بعض أصحابه ( كون سليمان عليه السلام هبة اللّه تعالى لداود ) من قوله تعالى :وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ[ ص : 30 ] ( والهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الجزاء الوفاق أو الاستحقاق ) ، أي الموافق لأعمال الموهوب له قد أستحقه بمحض استعداده له . وكان المراد أن لا يكون أحد الأمرين ملحوظا للواهب باعثا له على الهبة وإلا فلا بد لها بحسب الواقع من الاستحقاق ( فهو ) ، أي سليمان ( النعمة السابغة ) على داود بل على العالمين أما على داود فلأن الخلافة الظاهرة الإلهية كملت لداود وظهرت أكمليتها في سليمان عليهما السلام وأما على العالمين فلما وصل منه إليهم من آثار اللطف والرحمة ( والحجة البالغة ) من حيث كان يبلغ المستبصرين بالبرهنة إلى مقاصدهم ( والضربة الدامغة ) للمنكرين الجاحدين بالسيف . ( وأما علمه فقوله ) ، أي لما يدل عليه قوله ( ففهمناها سليمان مع نقيض الحكم ) ، أي مع وجود نقيض حكمه من داود عليه السلام في مسألة الزرع وأكل الماشية إياها ( وكلا ) من داود وسليمان ( آتاه اللّه حكما وعلما فكان علم داود علما مؤتى آتاه اللّه ) من حيث اجتهاده فيما أوحي ( وعلم سليمان ) بعينه ( علم اللّه في المسألة ) المختلف فيها ( إذا كان هو ) ، أي اللّه العالم بها في مظهر سليمان ، لأنه فني عن نفسه بتجلي الاسم العليم المفهوم من قوله تعالى :فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ[ الأنبياء : 79 ] إذا الظاهر أنه لا يوحى إليه وحيا ظاهرا وإلا فالظاهر أن يقال :فَأَوْحَيْنا إِلىسليمان ( و ) كما أنه هو العالم في مظهر سليمان فلذلك هو ( الحاكم بلا واسطة ) فإن الحكم يترتب على العلم ( فكان سليمان ) الذي فهمه اللّه تلك المسألة له فضيلتان : إحداهما : فضيلة التفهيم في العلم وأخراهما : كونه ( ترجمان حق في مقعد صدق ) في الحكم ( كما أن المجتهد المصيب لحكم اللّه الذي يحكم به اللّه في المسألة أو تولّاها بنفسه أو بما يوحي به ) اللّه في المسألة لو تولاها نفسه أو بما يوحي به ( لرسوله له أجران ) : أجر الاجتهاد وأجر الإصابة