هذا عكس الحقائق : تقديم من يستحقّ التّأخير وتأخير من يستحقّ التّقديم في الموضع الذي يستحقّه .
ومن حكمة بلقيس وعلوّ علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب ؛ وما عملت ذلك إلّا لتعلم أصحابها أنّ لها اتّصالا إلى أمور لا يعلمون طريقها ، وهذا من التّدبير الإلهيّ في الملك ، لأنّه إذا جهل طريق الإخبار الواصل للملك خاف أهل الدّولة على أنفسهم في تصرّفاتهم ، فلا يتصرّفون إلّا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التّصرّف . فلو تعيّن لهم على يدي من تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه وأعطوا له الرّشا حتّى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم .
فكان قولها :
أُلْقِيَ إِلَيَّ
[ النمل : 29 ] ولم تسمّ من ألقاه سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواصّ مدبّريها وبهذا استحقّت التّقدّم عليهم .
وأمّا فضل العالم من الصّنف الإنسانيّ على العالم من الجنّ بأسرار التّصريف
شرح
( هذا ) ، أي ما زعمه الظاهريون ( عكس الحقائق ) التي ينبغي أن يكون الأمر عليها وما زعموه هو ( تقديم من يستحق التأخير ) يعني اسم سليمان ( وتأخير من يستحق التقديم ) يعني اللّه الرحمن الرحيم ولما كان من يستحق التأخير في حدّ ذاته قد يعرض له في بعض المواضع ما يقتضي تأخيره ولا شك أن هذا التقديم والتأخر عكس الحقائق فذلك قيده بقوله : ( في الموضع الذي يستحقه ) ، أي في الموضع الذي يستحق فيه من يستحق التأخير التأخير لا في الموضع الذي يستحق فيه التقديم وكذا الحال فيمن يستحق التقديم .
( ومن حكمة بلقيس وعلو ) مرتبة ( علمها كونها بحيث لم تذكر اسم من ألقى الكتاب ) ، حيث قالت :أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ[ النمل : 29 ] على صيغة المبني للمفعول ( وما عملت ذلك إلا لتعلم أصحابها ) من الإعلام ( أن لها اتصالا إلى أمور ) من أحوال الملك والحوادث الذي تتجدد فيه ( لا يعلمون طريقها ) الذي منه وصل العلم بها إلى بلقيس ( وهذا من التدبير الإلهي في الملك لأنه إذا جهل طريق الإخبار الواصل للملك ) ، أي إلى الملك . ( خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرف فلا تعين لهم ) أنه ( على يدي من تصل الإخبار إلى ملكهم لصانعوه ) ، أي عاملوه ( وأعظموا له الرشا ) جمع رشوة ( حتى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم فكان قولها :أُلْقِيَ إِلَيَّ) على صيغة البناء للمفعول ( ولم تسم من ألقاه سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواص مدبريها ، ولهذا استحقت ) بلقيس ( التقديم عليهم ) بالسلطنة .
( وأما فضل العالم من الصنف الإنساني ) وهو آصف بن برخيا ( على العالم من