تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
والعلم بالبرهان في * سلخ النّهار لمن نعس
فيرى الّذي قد قلته * رؤيا تدلّ على النّفس
فيريحه من كلّ غمّ * في تلاوته عبس
ولقد تجلّى للّذي * قد جاء في طلب القبس
فإذا فهمت مقالتي * تعلم بأنك مبتئس
شرح
لكونها من هذه الحيثية ظلمة محضة ، والمجموع المركب منهما يتعلق به الإدراك ، فظهر من هذا التقرير أنه ليس المراد من هذا الكلام تشبيه الحقائق بالضوء والنفس بالغلس ليرد أن تشبيه الحقائق بالغلس وتشبيه النفس بالضوء أظهر وإن أمكن أن يتكلف للأول أيضا وجه ( والعلم بالبرهان ) الكشفي بأن يكون المعلوم هو البرهان ويحتمل أن يكون معناه والعلم بما ادعيناه من أن الكل في عين النفس ، التنبيه حاصل بسبب البرهان الكشفي عليه ( في . . سلخ النهار ) ، أي في آخر نهار الظهور وهو مرتبة الإنسان لما ورد في الحديث : من أن آدم خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة . ولكن العلم بذلك البرهان ليس حاصلا لكل إنسان بل ( لمن نعس ) ، أي عطل حواسه الجزئية عن التوجه بمتعلقاتها المتعددة المتكثرة المانعة عن مشاهدة الوحدة وصار أحدي الهم والهمة في التوجه إلى الحق المطلق ( فترى الذي قد قلته ) وهو من نعس فاسم الموصول فاعل يرى ومفعوله ( رؤيا تدل على النفس ) ، أي يرى الناعس عن المحسوسات رؤيا تدله على النفس عن كرب الاحتجاب بها وهذه الرؤيا إنما هي مشاهدة سريان نفس الرحمن في الحقائق كلها وإنما سماها رؤيا لأنها مرتبة في حال النعاس وإن لم يحتج إلى التعبير أو لإمكان أن تكون تلك المشاهدة في صورة مثالية تحتاج إلى التعبير ( فيريحه ) ، أي يريح العلم بالبرهان الناعس ( من كل غم ) كائن ( في ) وقت ( تلاوته ) سورة ( عبس ) والمراد بتلاوته إياها تحققه بالعبوس المفهوم منها ، ثم استشهد على ما ذكر بقصة موسى عليه السلام ( ولقد تجلى ) الحق سبحانه ( للذي قد جاء في طلب القبس ) التجلي الصوري المثالي ( فرآه نارا في صورة ) مطلق به حال كونه مستعجمعا شرائط التجلي من التوجه التام إلى الحق سبحانه والانقطاع عما سواه ( وهو ) في الحقيقة ( نور ) سار ( في الملوك ) ، أي الكمل الذين هم سلاطين نهار الكشف ( في العسر ) ، أي السالكين السائرين في أمالي ظلمة الاحتجاب ( فإذا فهمت ) مضمون ( مقالتي ) هذه وهو أن التجلي في صورة ما يطلبه العبد المتجلى له إنما يقع إذا كان مستجمعا لشرائط التجلي ( تعلم ) أنك في حال الحجاب ( بأنك مبتئس ) فقير فاقد للتجلي لفقدان شرائطه ، وإنما تجلى الحق سبحانه لطلب القبس في صورة لأنه كان أحدي الهم والهمة في طلبها ، فوقع التجلي في صورتها