وَلا أَعْلَمُ
[ المائدة : 116 ] فجاء بالفصل والعماد تأكيدا للبيان واعتمادا عليه ، إذ لا يعلم الغيب إلّا اللّه .
ففرّق وجمّع ووحّد وكثّر ، ووسّع وضيّق .
ثمّ قال متمّما للجواب
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
فنفى أوّلا مشيرا إلى أنّه ما هو ثمّة . ثمّ أوجب القول أدبا مع المستفهم ، ولو لم يفعل كذلك لاتّصف بعدم علم الحقائق وحاشاه من ذلك ، فقال :
إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
وأنت المتكلّم على لساني وأنت لساني .
فانظر إلى هذه التّنبئة الرّوحيّة الإلهيّة ما ألطفها وأدقّها
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
فجاء
شرح
( قابل وذو أثر ) فإنه من هذه الحيثية هو الحق لا غير (إِنَّكَ أَنْتَ )عَلَّامُ الْغُيُوبِ *.
( فجاء بالفصل والعماد ) وهما لفظة أنت ( تأكيدا للبيان ) ، أي بيان الحكم أنه هوعَلَّامُ الْغُيُوبِ *على وجه يفيد انحصار المحكوم به فيه ( واعتمادا عليه ) ، أي على ذلك البيان في إبانة المطلوب وإنما أكد ( لأنه لا يعلم الغيب إلا اللّه ) ، فإذا حكم عليه بأنه يعلم الغيب ينبغي أن يكون على وجه يفيد التأكيد وانحصار ذلك الحكم فيه .
( ففرق ) حيث ميز بين الحق والخلق وخص كلا منهما الحكم ( وجمع ) حيث رد الكل إلى الحق سبحانه وعلى هذا القياس التوحيد والتكثير والتوسعة والتضييق المذكورة في قوله : ( ووحد وكثر ووسع وضيق ثم قال ) عليه السلام ( متمما للجواب ما قلت لهم ) ، أي الناس ( إلا ما أمرتني به ، فنفى أولا ) بكلمة النفي القول عن نفسه ( مشيرا ) بهذا النفي ( إلى أنه ما هو ثمة ) بل هو فإن الحق مستهلك تعينه في الوجود المطلق ، فإن القول متحقق لا محالة ، فالمنفي هو نسبته آل عيسى عليه السلام وانتفاء النسبية إنما هو بانتفاء المنسوب إليه ( ثم أوجب القول ) بعد نفيه ( أدبا مع المستفهم ولو لم يفعل كذلك ) ، أي لم يجمع بين النفي والإيجاب ( لاتصف بعدم علم الحقائق ) فإنه لو اقتصر على النفي أخل بالصورة لثبوت القول له صورة ، ولو اقتصر على الإيجاب أخل بالحقيقة إذ لا قابل إلا اللّه ( وحاشاه من ذلك ) ، أي من عدم علم الحقائق فإن رتبة الكلام النبوي تأبى ذلك ( فقال ) تفسير وبيان لإيجاب القول (إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِوأنت المتكلم ) بهذا الكلام ( على لساني ) كما يقتضيه قرب الفرائض ( وأنت لساني ) كما يقتضيه قرب النوافل ( فانظر إلى هذه التثنية ) أي تثنية الفرق بالجمع والتنزيه بالتحديد والوحدة بالكثرة والسعة بالضيق والنفي بالإيجاب وقرب الفرائض بقرب النوافل ( الروحية ) ، أي الصادرة من عيسى الذي هو روح اللّه صورة ( والإلهية حقيقة ما ألطفها وأدقها ) لدلالتها على الجمعية الكمالية وصحح بعض الشارحين التنبئة بالنون بفعله من النبأ لا بالثاء المنقوطة ثلاث نقاط .