هذا النّوع الإنساني بالنّص الإلهيّ .
فمن أراد أن يعرف النّفس الإلهيّ فليعرف العالم .
فإنّه من عرف نفسه فقد عرف ربّه الّذي ظهر فيه أي العالم ظهر في نفس الرّحمن الّذي نفّس اللّه تعالى به عن الأسماء الإلهيّة ما تجده من عدم ظهور آثارها ، فامتنّ على نفسه بما أوجده في نفسه .
فأوّل أثر للنّفس الرحماني إنّما كان في ذلك الجناب ثمّ لم يزل الأمر ينزل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد .
فالكلّ في عين النّفس * كالضّوء في ذات الغلس
شرح
الإنسان أفضل أم الملائكة ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أما علمت بأن اللّه يقول من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . ثم قال عليه السلام : « وكم من ملأ ذكر اللّه فيهم وأنا بين أظهرهم ففرحت بذلك » ، وإذا كان العالم صورة النفس الإلهي ( فمن أراد أن يعرف النفس الإلهي فليعرف العالم فإنه من عرف نفسه ) التي هي العالم الصغير ( عرف ربه الذي ظهر ) نفسه ( فيه ) ، أي ربه فإن العالم باعتبار ظاهر والرب مظهر وهو باعتبار مراتبه الرب للمربوب ، ولما كان هذا الكلام محتملا لاعتبار مظهرية العالم وظاهر الرب دفعه بقوله : ( أي العالم ظهر في النفس الرحماني ) .
وفي النسخة المقروءة على الشيخ رضي اللّه عنه في نفس الرحمن ( الذي نفس اللّه تعالى به عن الأسماء الإلهية الإلهية ما تجده ) ، أي الكرب الذي تجده الأسماء ( من عدم ظهور آثارها ) وذلك التنفس إنما لا يكون إلا بظهور آثارها ( فامتن ) اللّه تعالى ( على نفسه ) فسكون الفاء حين أزال كربه وكرب أسمائه ( بما أوجد في نفسه ) بفتح الفاء من صور أعيان الموجودات التي هي مظاهر الأسماء وآثارها .
( فأول أثر كان للنفس الرحماني ) وهو التنفيس عن الكروب ( إنما كان في ذلك الجناب ) ، أي في الجناب الإلهي ( ثم لم يزل الأمر ينزل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد ) وهو الإنسان مما يحصل به من التنفيس أكثر مما يحصل بغيره ولكن لا يتناهى ذلك التنفيس . والتنفيس أبد الآباد لعدم انتهاء تجلياته سبحانه دنيا وآخرة ( فالكل ) ، أي الحقائق كلها ( في عين النّفس ) الإلهي ( كالضوء في ذات الغلس ) ، وهو ظلمة آخر الليل والمقصود تشبيه المجموع المركب من الحقائق والنفس بالمجموع الممتزج من الضوء والغلس ووجه الشبه هو أن الضوء بدون الغلس نور صرف لا يمكن إدراكه ، وكذلك الظلمة المحضة لا تدرك والممتزج منها وهو الضياء يتعلق به الإدراك ، وكذلك النفس من غير تقيده بالحقائق لا تدرك لصرافة نوريته والحقائق من غير تلبسها بالنفس لا تدرك