ألا ترى الذّات الخارجة عن هذا الحكم كيف جاء فيها الغنى عن العالمين ؟
فلهذا خرج العالم على صورة من أوجدهم ، وليس إلّا النّفس الإلهيّ .
فبما فيه من الحرارة علا ، وبما فيه من البرودة والرّطوبة سفل ، وبما فيه من اليبوسة ثبت ولم يتزلزل ، فالرّسوب للبرودة والرّطوبة ؛ ألا ترى الطّبيب إذا أراد سقي دواء لأحد ينظر في قارورة مائه ، فإذا رآه راسبا علم أنّ النّضج قد كمل فيسقيه الدّواء ليسرع في النّجح . وإنّما يرسب لرطوبته وبرودته الطّبيعيّة .
ثمّ إنّ هذا الشّخص الإنساني عجن طينته بيديه وهما متقابلتان وإن كانت كلتا يديه يمينا فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ، ولو لم يكن إلّا كونهما اثنين أعني يدين .
شرح
لا الذات من حيث نوره وأوضحه بقوله : ( ألا ترى الذات ) البحت ( الخارجة عن هذا الحكم ) ، أي عن حكم النفس ( كيف جاء فيها الفناء عن العالمين ) ولا شك أن في مرتبة الفناء وهي مقام الأحدية الذاتية لا تتقابل الأسماء لعدم تعينها حينئذ فضلا عن تقابلها ( فلهذا ) ، أي الفناء الذات عن العالمين ( خرج العالم على صورة من أوجدهم ) أورد ضمير ذوي العلم تغليبا أو بناء على أن الكل ذو العلم في نظر أهل الكشف ( وليس ) الموجد ( إلا النفس الإلهي ) ، لأن الذات البحت لها الفناء عن نسبة الإيجاد ، وليس إيجاد النفس الإلهي للأشياء إلا ظهوره بصورها فليس في الوجود مراتبه ظاهرا وباطنا إلا النفس الإلهي ( فبما فيه ) ، أي النفس بما فيه ( من الحرارة ) طبيعية كانت أو عنصرية ( علا وبما فيه من البرودة والرطوبة سفل وبما فيه من اليبوسة ثبت ولم يتزلزل فالرسوب ) في العالم الكبير ( للبرودة والرطوبة ) كذلك فيما يماثله من العالم الصغير الذي هو الإنسان ( ألا ترى الطبيب إذا أراد سقي دواء لأحد ينظر في قارورة مائه فإذا رآه رسب علم أن النضج ) وهو استعداد أخلاط المزاج للصلاح يتصرف الطبيب فيها ( قد كمل فيشفيه الدواء ليسرع ) الدواء ( في النجع ) ، أي إصابة الطلبة التي هي إصلاح المزاج ( وإنما يرسب ) ما يرسب في القارورة ( لرطوبته وبرودته الطبيعية ) فالرطوبة والبرودة كما يقتضيان الرسوب والتسفل في العالم الصغير كذلك يقتضيانهما في العالم الكبير .
( ثم أن هذا الشخص الإنساني ) ، أي شخص كان ( عجن ) الحق سبحانه ( طينته بيديه ) الجمالية والجلالية أو الفاعلية والقابلية ( وهما متقابلتان وإن كانت كلتا يديه يمينا مباركا ) في مصدرية الرحمة واللطف فإن وجود الغضب والقهر لرحمته عليهما .
( فلا خفاء بما بينهما من الفرقان ولو لم يكن ذلك ) الفرقان ( إلا كونهما اثنتين أعني يدين ) ، فإن الاثنينية نسبة تقتضي اختصاص كل من طرفيها بأمر لا يوجد في الآخر وذلك