فقال وقدّم التّنزيه
سُبْحانَكَ
فحدّد بالكاف الّتي تقتضي المواجهة والخطاب .
ما يَكُونُ لِي
من حيث أنا لنفسي دونك
أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ
أي ما تقتضيه هويّتي ولا ذاتي .
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
لأنك أنت القائل في صورتي ، ومن قال أمرا فقد علم ما قال ، وأنت اللّسان الّذي أتكلّم به كما أخبرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ربّه في الخبر الإلهي فقال : « كنت لسانه الّذي يتكلّم به » . فجعل هويّته عين لسان المتكلّم ؛ ونسب الكلام إلى عبده .
ثمّ تمّم العبد الصّالح الجواب بقوله :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
. والمتكلّم الحقّ .
ولا أعلم ما فيها فنفى العلم عن هويّة عيسى عليه السّلام من حيث هويّته لا من حيث إنّه قائل وذو أثر .
شرح
( وقال ) عيسى عليه السلام ( وقدم التنزيه ) المفهوم من التسبيح ( سبحانك فحدد ) بعدما نزه بالتسبيح حدد ( بالكاف الذي تقتضي المواجهة والخطاب ) اللذان هما يقتضيان التشبيه والتحديد فجمع في هذه الكلمة ، ( ثم قال ) عليه السلام (ما يَكُونُ لِيمن حيث أنا ) ملاحظ ( لنفسي ) فقط ( دونك ) ، أي دون أن ألاحظ أن أظهر بصورة نفسي أنت وهذا لسان التفرقة ( أن أقول ما ليس لي بحق أي ما تقتضيه هويتي ) الغيبية وعيسى الثانية ( ولا ذاتي ) الموجودة خارجا ( إن كنت قلته فقد علمته لأنك أنت القائل في صورتي ) بمقتضى قرب الفرائض ( ومن قال أمرا فقد علم ما قال وأنت اللسان الذي أتكلم به ) بمقتضى قرب النوافل فأنت الفاعل وآلة أيضا وهذا لسان الجمع ( كما أخبرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخبر الإلهي ) . والحديث القدسي الوارد في قرب النوافل ( وقال ) تعالى : ( كنت لسانه الذي يتكلم به فجعل هويته عين لسان المتكلم ونسب الكلام إلى عبده ) كما يقتضيه قرب النوافل ، فإن الفاعل في قرب النوافل إنما هو العبد والحق آلة ، ولما كان مقامه يستوعب القربين أشار إلى ذلك بقوله : ( ثم تمم العبد الصالح الجواب بقوله : تعلم ما في نفسي والمتكلم بهذا ) القول ( هو الحق ) كما تقتضيه قرب الفرائض وعيسى عليه السلام آلة للحق في هذا التكلم وكذا المتكلم بقوله : ( ولا أعلم ما فيها ) هو الحق لكن من حيث التعين العيسوي ولما كان المتكلم بقوله : تعلم ما في نفسي هو الحق بكون ضمير المتكلم فيه كناية عن الحق سبحانه فتكون النفس نفسه فيكفي في قوله : ولا أعلم ما فيها إرجاع الضمير المجرور إلى النفس ولا حاجة إلى التصريح كما في القرآن حيث قال :وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، أو المراد : لا أعلم ما في نفسي فكيف أعلم ما في نفسك ( فنفى العلم عن هوية عيسى ) بل عن نفسه ( من حيث هويته لا من حيث أنه ) ، أي عيسى