وأمّا أرواح السّموات السبع وأعيانها فهي عنصريّة ، فإنّها من دخان العناصر المتولّد عنها .
وما تكوّن من كلّ سماء من الملائكة فهو منها ، فهم عنصريّون ومن فوقهم طبيعيّون ، ولهذا وصفهم اللّه بالاختصام - أعني الملأ الأعلى - لأنّ الطّبيعة متقابلة .
والتّقابل الّذي في الأسماء الإلهيّة الّتي هي النّسب إنّما أعطاه النّفس .
شرح
وهي الملائكة التي للعرش والكرسي وما فوقها ( وأما أرواح السماوات السبع ) يعني نفوسها المنطبعة فإن عقولها ونفوسها المجردة من الصور الطبيعية النورية لا العنصرية ( وأعيانها فهي عنصرية فإنها من دخان العناصر المتولد عنها ) ، كما تتولد الأجزاء اللطيفة الدخانية عن النار ، فإن ألطف أجزاء النار هي التي تعلوها في صورة الدخان وفي دخان النار أجزاء لطيفة وكثيفة ، وكذلك في دخان العناصر ، فمن كثيف دخانها خلقت أعيان السماوات ومن لطيفها أرواحها ، ( وما تكون عن ) مادة ( كل سماء من الملائكة ) التي هي عمادها ( فهو ) مخلوق ( منها ) ، أي من مادتها كما أن آدم وبنيه الذين هم عماد الأرض مخلوقون من الأرض .
قال رضي اللّه عنه في الباب الثالث عشر من الفتوحات : خلق في جوف الكرسي أفلاكا فلكا في جوف فلك وخلق في كل فلك عالما منه يعمرونه وسماهم ملائكة ( فهم ) ، أي الملائكة المتكونون من مادة كل سماء كلهم ( عنصريون ومن فوقهم ) من ملائكة العرش والكرسي ونفوسهما المنطبعة والمجردة والعقول المسمون بلسان الشريعة بالملأ الأعلى كلهم ( طبيعيون ولهذا ) ، أي لكونهم طبيعيين ( وصفهم اللّه تعالى بالاختصام أعني ) يعني بالضمير المنصوب في وصفهم اللّه ( الملأ الأعلى ) حيث قال : ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ، وإنما كان كونهم طبيعيين مقتضيا لوصفهم بالاختصام ( لأن الطبيعة ) من حيث ظاهرها حاملة للصور المتقابلة وقابلة إياها ، ومن حيث باطنها فعالة لها ففيها قوة الفعل والانفعال والتأثير والتأثر ولا شك أن هذه الأمور فيها ( متقابلة ) وليس المراد بالاختصام إلا التقابل بحيث يقتضي كل واحد منهم خلاف ما يقتضيه الآخر ( والتقابل الذي في الأسماء الإلهية التي هي النسب ) اللاحقة للذات الإلهية باعتبار توجهها إلى عالم الظهور ( إنما أعطاه النفس ) فإنه إن لم يمتد الوجود الحق من غيبه الإطلاقي إلى مرتبة الظهور لم تتعين الأسماء ، ولا شك أن النفس إنما هو الوجود الحق باعتبار هذا الامتداد ، فلو لم تكن النفس لم تتعين الأسماء فكيف يتحقق التقابل بينها ، فظهر أنه ما أعطى الأسماء الإلهية التقابل إلا النفس ، وكذلك لا يظهر هذا التقابل في الخارج إلا بالنفس فإنه إذا لم يمتد الوجود على الماهيات الممكنة لم يظهر التقابل بين الأسماء بظهور آثارها المتقابلة ، ولما ذكر أن التقابل الذي بين الأسماء إنما أعطاه النفس