تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
إلى صورة من يقول « كن » فيكون قول كن لتلك الصّورة الّتي نزل إليها وظهر فيها ؟ فبعض العارفين يذهب إلى الطّرف الواحد ، وبعضهم إلى الطّرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ولا يدري . وهذه مسألة لا يمكن أن تعرف إلّا ذوقا كأبي يزيد حين نفخ في النّملة الّتي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمن ينفخ فنفخ فكان عيسوي المشهد . وأمّا الإحياء المعنويّ بالعلم فتلك الحياة الإلهيّة الذّاتيّة العليّة النّوريّة الّتي قال اللّه فيها :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
[ الأنعام : 122 ] فكلّ من يحيي نفسا ميتة بحياة علميّة في مسألة خاصّة متعلّقة بالعلم باللّه ، فقد أحياه بها فكانت له نورا يمشي به في النّاس أي بين أشكاله في الصّورة .
شرح
يقول :كُنْ فَيَكُونُ *قول كن ) المركب من هذه الحروف ( حقيقة لتلك الصورة التي نزل ) الحق سبحانه ( إليها وظهر فيها ) بحسبها لا للحق الظاهر فيها الإنباء على اتحاد الظاهر والمظهر فوقع الخلاف في كلمة كن كما وقع في عيسى ( فبعض العارفين يذهب إلى الطرف الواحد ) ، أي طرف كان فينسب مثلا كلمة كن إلى اللّه سبحانه ( وبعضهم إلى الطرف الآخر ) ، المقابل فينسب كلمة كن إلى العبد ( وبعضهم يحار في الأمر ) ، أي أمر كلمة كن وشأنها أو في الأمر الذي هو كلمة كن فإنها صيغة أمر . ( ولا يدري إلى أي من الطرفين ) ينسبها . ( وهذه ) ، أي نسبة كلمة كن إلى الحق أو العبد . ( مسألة لا يمكن أن تعرف ) كما هو عليه ( إلا ذوقا ) ووجدانا ( كأبي يزيد حين قتل نملة ) تحت قدمه وتألم من قتلها ( ثم نفخ في النملة التي قتلها فحييت ) النملة ( فعلم ) أبو يزيد ( عند ) إرادة ( ذلك ) النفخ ( أن ينفخ ) بربه أو بنفسه ( فنفخ فكان حينئذ عيسوي المشهد ) والمقام مستعدا من روحانية عيسى صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه إشارة إلى أن كل من يحصل له هذا المقام يكون بواسطة روحانيته ، فعلم أن الإحياء ليس مختصا بعيسى ، وما ذكر من الإحياء فهو إحياء صوري بحياة كونية عرضية سفلية ظلمانية . ( وأما الإحياء المعنوي ) يعني إحياء النفوس البشرية في ظلمات الجهل ( بالعلم فتلك الحياة ) ، أي ثمرة ذلك الإحياء ونتيجة تلك الحياة ( الإلهية الدائمة العلية النورية التي قال اللّه فيهاأَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً) ، أي بموت الجهل (فَأَحْيَيْناهُ) بالحياة العلمية (وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً) ، أي علما (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، فكل من أحيا نفسا ميتة ) بموت الجهل ( بحياة علمية في مسألة خاصة متعلقة بالعلم باللّه ) في ذاته وصفاته وأفعاله وإنما قيده به لأن العلم بما عدا ذلك هو والجهل سواء ( فقد أحياه بها وكانت ) تلك الحياة (لَهُ نُوراً) [ الأنعام : 122 ] علميا ( يمشي ) متلبسا ( به في الناس أي بين أشكاله ) ، أي