تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول ، وأنّه هو اللّه بما أحيا به الموتى ، ولذلك نسبوا إلى الكفر وهو السّتر لأنّهم ستروا اللّه الّذي أحيا الموتى بصورة بشريّة عيسى . فقال تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
[ المائدة : 17 ] فجمعوا بين الخطأ والكفر في تمام الكلام كلّه لا بقولهم هو اللّه ولا بقولهم ابن مريم .
شرح
الإحياء ههنا ( فأدى ) النظر ( بعضهم فيه ) ، اي في الشخص البشري المحيي للموتى ( إلى القول بالحلول ) ، أي حلول اللّه في صورته البشرية ( وأنه ) ، أي وإلى القول بأنه ( هو اللّه سبحانه بما أحيا به من الموتى ) يعني الحكم بإلهيته إنما هو باعتبار ما حل فيه لا باعتبار صورته ( ولذلك ) القول بالحلول بأنه هو اللّه من حيث ما حل فيه ( نسبوا إلى الكفر ) والكفر مطلقا ( هو الستر ) والمذموم منه ستر الحق بالباطل ، وإنما صار قوله بالحلول سببا لنسبتهم إلى الكفر ( لأنهم ) لما ذهبوا إلى القول بالحلول ( ستروا اللّه الذي أحيا الموتى ) ، أي حكموا باستتاره ( بصورة بشرية عيسى ) ، لأن الحال لا محالة مستتر بما حل فيه ولذلك كفرهم اللّه سبحانه ( فقال :لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَفجمعوا بين الخطأ والكفر في تمام الكلام كله ) لا في أجزائه وإنما قلنا : الجمع بين الخطأ والكفر في تمام الكلام لا في أجزائه لأنه ، أي الجمع بينهما ( لا ) يتحقق ( بقولهم ) المسيح ( هو اللّه ) ، أو اللّه هو المسيح فقط ، فإن حمل على أن هوية الحق سبحانه هي التي تعينت وظهرت بالصورة المسيحية كما ظهرت بصور العالم كلها من غير أن يلاحظ فيه معنى الحصر فهو صدق لا شك فيه ، وإن لوحظ فيه معنى الحصر فهو كفر وستر لما هو الحق عليه من عموم سريانه في الموجودات كلها ، وإن حمل على أن الهوية الإلهية حالة في الصورة المسيحية فهو أيضا كفر إذ ظهورها في الأشياء ظهور المطلق في المقيد لا ظهور الحال في المحل فليس فيه إلا الكفر على بعض التقادير . ( و ) كذلك الجمع بينهما ( لا ) يتحقق ( بقولهم ابن مريم ) فقط ، لأنه ابن مريم بلا شك فليس فيه كفر ولا خطأ أصلا فالجمع بينهما أنه هو مجموع الكلام لأنهم ضمنوا المسيح الإلهية واعتقدوها في ضمنه على وجه الحلول ( فعدلوا ) حال كونهم متلبسين ( بالتضمين ) ، أي بجعل اللّه من حيث هو أحيا الموتى في ضمن المسيح ونسبة الإحياء إليه ( من اللّه ) المضمن في صورة المسيح ( من حيث ) إنه ( أحيا الموتى إلى الصورة الناسوتية البشرية ) المسيحية فانفهم منه أن اللّه تعالى من حيث أنه أحيا الموتى إنما هو الصورة المسيحية ، وذلك خلاف معتقدهم فهو خطأ منهم ما عمدوه ، ولكن لزم من كلامهم وذلك العدول إنما يظهر ( بقول ابن مريم ) حيث أجروه على المسيح المحمول