الاسم باق جار على عباد اللّه دنيا وآخرة . فلم يبق اسم يختصّ به العبد دون الحقّ بانقطاع النّبوّة والرّسالة .
إلّا أنّ اللّه لطيف بعباده فأبقى لهم النّبوّة العامّة الّتي لا تشريع فيها ، وأبقى لهم التّشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام . وأبقى لهم الوراثة في التّشريع فقال :
« العلماء ورثة الأنبياء » وما ثمّة ميراث في ذلك إلّا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه .
فإذا رأيت النّبيّ يتكلّم بكلام خارج عن التّشريع فمن حيث هو وليّ عارف .
شرح
سبحانه بالأصالة كسائر الأسماء ولعبيده تحققا خلقا أو تعلقا . ( وهذا الاسم باق جار على عباد اللّه دنيا وآخرة ) ، فهو مشترك بين الحق سبحانه وبين عبيده ( فلم يبق ) للعبد ( اسم يختص به العبد ) بحسب مرتبته الكمالية بحيث يطلق عليه ( دون الحق بانقطاع النبوة والرسالة ) فإنهما إذا انقطعتا لم يتسم العبد بالنبي والرسول فلا يكون له اسم خاص به ، ولما ذكر رضي اللّه عنه أن النبوّة التشريعية قد انقطعت بعد نبينا صلى اللّه عليه وسلم أراد أن ينبه أن المنقطعة ما يكون بغير اجتهاد وما يكون بالاجتهاد يدوم بدوام هذه النشأة ، وإن انقطعت في النشأة الأخروية فقال : ( إلا أن اللّه سبحانه لطف بعباده فأبقى لهم النبوة العامة ، التي ) هي الإنباء عن المعارف والأحكام الإلهية ( لا تشريع فيها ) من غير اجتهاد ( وأبقى لهم ) ، أي لعباده ( التشريع ) الواقع ( في ضمن الاجتهاد في ثبوت الأحكام وأبقى لهم الوراثة في التشريع فقال ) على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم ( « العلماء ورثة الأنبياء » « 1 » وما ثم ميراث في ذلك ) التشريع ( إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه ) ، أي إلا في الأحكام اجتهدوا فيها واستنبطوها من مأخذها من الكتاب والسنة فشرعوها بطريق الاجتهاد ( فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع ) ، كقوله عليه السلام : « لو دليتم بحبل لهبط على اللّه » « 2 » وكحديث قرب النوافل وقرب الفرائض « 3 » وغير ذلك مما يتعلق بكشف الحقائق الإلهية والأسرار الربانية ( فمن حيث هو ولي عارف ) ، أي فذلك النبي من حيث هو ولي وعارف باللّه معرفة ذوق وشهود يتكلم به لا من حيث هو نبي ورسول ، فالولاية جهة حقانية والنبوة جهة خلقية .
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، كتاب العلم ، باب الحث على طلب العلم ، حديث رقم ( 3641 ) ورواه الترمذي في جامعه الصحيح ، كتاب العلم ، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ، حديث رقم ( 2682 ) ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب التفسير ، باب ومن سورة الحديد ، حديث رقم ( 3298 ) .
( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .