وأمّا نبوّة التّشريع والرّسالة فمنقطعة ، وفي محمّد صلى اللّه عليه وسلم قد انقطعت ، فلا نبيّ بعده مشرّعا أو مشرّعا له ولا رسول وهو المشرّع .
وهذا الحديث قصم ظهور أولياء اللّه لأنّه يتضمّن انقطاع ذوق العبوديّة الكاملة التّامّة فلا ينطلق عليه اسمها الخاصّ بها فإنّ العبد يريد أن لا يشارك سيّده - وهو اللّه - في اسم ؛ واللّه لم يتسمّ بنبيّ ولا رسول ، وتسمّى بالوليّ واتّصف بهذا الاسم فقال :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 258 ] وقال :
وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
[ الشورى : 28 ] وهذا
شرح
وبدونها لأن الولي هو الذي فني في الحق سبحانه ، عند هذا الفناء يطلع على المعارف والحقائق بشيء عنها عند بقائه باللّه . ( وأما نبوة التشريع ) التي هي خصوص مرتبة من الإنباء العام ( والرسالة ) التي هي خصوص مرتبة في النبوّة ( فمنقطعة ) ، أي كل واحدةمنهما منقطعة في هذه النشأة لا تستوعب جميع أحيانها فلا يبعث رسول ولا نبي آخر ولا يتعدى إلى النشأة الأخرى أيضا ، فلا يبعث فيها الأنبياء المشرعون كل واحد من النبوة والرسالة ( وفي ) نبينا ( محمد صلى اللّه عليه وسلم قد انقطعت ) كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا نبي بعدي » « 1 » . ( فلا نبي بعده مشرعا ) ، أي آتيا بالأحكام الشرعية من غير متابعة لنبي آخر قبله كموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ( أو مشرعا له ) ، أي متبعا لما شرعه النبي صلى اللّه عليه وسلم المتقدم كأنبياء بني إسرائيل إذ كلهم كانوا داعين إلى شريعة موسى عليه السلام ( ولا رسول وهو ) ، أي الرسول هو ( المشرع ) ، أي الآتي بشريعة من غير تبعية لنبي آخر .
( وهذا الحديث ) المنبىء عن انقطاع النبوة بعد نبينا صلى اللّه عليه وسلم ( قصم ظهور أولياء اللّه ) الظاهرين في هذه الأمة ( لأنه ) ، أي ذلك الحديث ( يتضمن ) ويستدعي ( انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة ) التي لا يشوبها ربوبية فإنه لا يكون هذا الذوق إلا في مقام النبوّة بانقطاعها ينقطع ( فلا ينطلق عليه ) ، أي على الولي ( اسمها ) ، أي اسم العبودية ( الخاص بها ) الغير المنطلق على اللّه سبحانه وذلك يوجب قسم ظهورهم ( فإن العبد ) المترقي في درجات الولاية ( يريد أن ) يذوق العبودية الكاملة ( لا يشارك سيده وهو اللّه سبحانه ) في هذا المقام ( في اسم ) فيكون عبدا محضا ( واللّه لم يتسم ) في مرتبة الجمع ( بنبي ولا رسول ويسمى بالولي واتصف بهذا الاسم ) ، فيشارك العبد فيه فلا يكون من الأسماء الخاصة بالعبد .
واستدل على تسميته سبحانه بهذا الاسم بقوله : ( فقال تعالى :اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا[ البقرة : 257 ] وقال تعالى ) أيضا (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [ الشورى : 28 ] ، فهو للّه
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ، حديث رقم ( 3455 ) . ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ، ورواه غيرهما .