أظهره الحقّ فيه في قوله تعالى :
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
فقال له :
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً
[ البقرة : 259 ] فعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق فأراه الكيفيّة .
فسأل عن القدر الّذي لا يدرك إلّا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها فما أعطي ذلك فإنّ ذلك من خصائص الإطّلاع الإلهي .
فمن المحال أن يعلمه إلّا هو فإنّها المفاتح الأول أعني مفاتح الغيب الّتي لا يعلمها إلّا هو وقد يطلع اللّه من شاء من عباده على بعض الأمور من ذلك .
شرح
شهود لا صاحب نظر واستدلال ، ولا أهل خبر واستخبار ( ويقتضي ذلك ) ، أي السؤال على هذا الوجه ( الجواب بالفعل ) لا بالقول وذلك الفعل هو الفعل الذي ( أظهره الحق سبحانه فيه ) ببعثه منطويا هذا الفعل من حيث الدلالة عليه ( في قوله :فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُفقال له :وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماًفعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق فأراه الكيفية ) ، أي كيفية إحياء الموتى .
( فسأله ) عطف على أراه ، أي فسأل بلسان الحال بعد ما سأل عن كيفية إحياء الموتى بلسان القول وأجيب بالفعل ( عن القدر الذي ) هو مبدأ هذه الأفعال العجيبة المعلومة له حين بعثه ونشر عظام حماره وكساه لحما ، بأن كوشف بالأعيان الثابتة وكيفية افتتاح وجود المقدروات عنها وإدراكها إدراك ذوق ووجدان ، فالمسؤول بهذا السؤال مجموع أمره ( لا يدرك ) هذا المجموع ( إلا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها ) وافتتاح الوجود عنها ( فما أعطي ) عزير عليه السلام ( ذلك ) المجموع ( فإن ذلك من خصائص الاطلاع الإلهي ) كما يظهر وجهه فيما بعد ( فمن المحال أن يعلمه إلا هو فإنها ) ، أي الأشياء في حال ثبوتها في عدمها ( المفاتيح الأول ) بالنسبة إلى الموجودات العينية فإن المفاتيح الأول مطلقا أنها هي الشؤون الذاتية التي تكون الأشياء في حال ثبوتها في العدم صورها ( أعني مفاتيح الغيب التي لا يعلمها ) من حيث إنها مفاتيح علم ذوق ووجدان ( إلا هو وقد يطلع اللّه من يشاء من عباده على بعض الأمور من ذلك ) المذكور ، بأن يكاشف ببعض الأعيان الثابتة في العلم وجريان أحواله عليه تفصيلا ، ولكن لا يدرك كيفية افتتاح الوجود عنها بالذوق والوجدان أصلا . ولما كان السؤال الثاني ناشئا عن السؤال الأول لازما له كانت الآية الدالة على الأول بالمطابقة كالدال على الثاني بالالتزام ، فالعتب الواقع عليه إنما هو باعتبار المعنى الثاني كما صرح به فيما بعد .
ولما أشار آنفا إلى أن الاطلاع على الأشياء حين ثبوتها في العلم وافتتاح الوجود