تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وهو الاستحقاق الّذي يطلبه الخلق . فإنّ اللّه
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
[ طه : 50 ] فينزّل بقدر ما يشاء وما يشاء إلّا ما علم فحكم به وما علم كما قلناه إلّا بما أعطاه المعلوم من نفسه . فالتّوقيت في الأصل للمعلوم والقضاء والعلم والإرادة والمشيّة تبع للقدر . فسرّ القدر من أجلّ العلوم وما يفهّمه اللّه تعالى إلّا لمن اختصّه بالمعرفة التّامّة . فالعلم به يعطي الرّاحة الكلّيّة للعالم به ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضا
شرح
ينزله ) ، أي الرزق (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[ الحجر : 21 ] وهو ) ، أي القدر المعلوم ( الاستحقاق الذي يطلبه ) ، أي يقتضيه ( الخلق ) ، أي العين الثابتة التي أعطاها اللّه تعالى خلقها فالخلق بمعنى المخلوق ( فإن اللّهأَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ[ طه : 50 ] فينزله عليه بقدر ) ، أي بقدر استحقاقه ( ما يشاء ) ، أي ما يريد من الأرزاق ( وما يشاء إلا ما علم ) أنه استحقه فحكم به وذلك الحكم هو القضاء ( وما علم ) استحقاقه ( كما قلناه إلا بما أعطاه المعلوم من نفسه فالتوقيت ) الذي هو القدر ( في الأصل للمعلوم والقضاء والعلم والإرادة والمشيئة تبع للقدر ) ، والقدر تبع للمعلوم المقدور ( فسر القدر ) ، أي العلم به ( من أجل العلوم وما يفهمه اللّه سبحانه إلا لمن اختصه بالمعرفة التامة فالعلم به يعطي الراحة الكلية للعالم به ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضا ) . اعلم أن العلم بسر القدر على نوعين : أحدهما : على سبيل الإجمال والكلية بأن يعلم أن الأحوال الجارية على الموجودات إنما هي مقتضيات أعيانهم الثابتة ، والحق سبحانه ما يحكم عليهم في القضاء السابق إلا بمقتضى ذواتهم ولمقتضى الذات لا يمكن أن يتخلف عنها ، والراحة الكلية في هذا النوع من العلم الخلاص عن الاعتراض على الخلق في ارتكابهم أسباب الشقاوة دنيا وآخرة ، واجتنابهم عن أسباب السعادة كذلك وعلى الحق تعالى بأنه لم لا يساعدهم على ما يسعدهم ولم لا يجنبهم عما يشقيهم ، وعن المبالغة في نهيهم عن المنكرات وزجرهم عن المحظورات وفي أمرهم بالمرضيات وحثهم على المأمورات ، والعذاب الأليم فيه أن يشاهد على نفسه أو على غيره أنواعا من الأسقام والآلاء والمصائب والمتاعب في الدنيا ووجوها من موجب العذاب والعقاب والنكال والوبال في الآخرة ، ولا يعلم أنه هل من مقتضيات أعيانهم الثابتة الخلاص عنها أم لا فيحترق ويتألم على ذلك شفقة على نفسه وغيره . والنوع الثاني من العلم بسر القدر أن يكاشف العارف بما تقتضيه عينه أو عين غيره من الأحوال والأحكام على سبيل التفصيل ، فالراحة الكلية فيه سكون العارف عن طلب مالا تقتضيه عينه واستراحته عنه إذا كان مكاشفا بعينه ، وسكونه من حيث غيره الذي له شفقة بالنسبة على