فتحقّق هذه المسألة فإنّ القدر ما جهل إلّا لشدّة ظهوره فلم يعرف وكثر فيه الطّلب والإلحاح .
واعلم أنّ الرّسل صلوات اللّه عليهم من حيث هم رسل لا من حيث هم أولياء وعارفون على مراتب ما هي عليه أممهم فما عندهم من العلم الّذي أرسلوا به إلّا قدر ما تحتاج إليه أمّة ذلك الرّسول ، لا زائد ولا ناقص .
والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض فيتفاضل الرّسل في علم الإرسال بتفاضل أممها وهو قوله تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
[ البقرة : 253 ] .
كما هم أيضا فيما يرجع إلى ذواتهم عليهم السّلام من العلوم والمعارف والأحكام الإلهيّة متفاضلون بحسب استعداداتهم وهو في قوله :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
[ الإسراء : 55 ] .
وقال تعالى في حقّ الخلق :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
[ النحل : 71 ] والرّزق منه ما هو روحانيّ كالعلوم ، وحسّيّ كالأغذية وما ينزّله الحقّ إلّا بقدر معلوم ،
شرح
بما حكم ( فيه ) من الأعيان فإن الحاكم تابع لهما في حكمه ( كان الحاكم من كان ) حقيقيا أو مجازيا صوريا أو معنويا ( فتحقق هذه المسألة فإن القدر ما جهل إلا لشدة ظهوره ) فإن الشيء إذا جاوز حده انعكس ضده ( فلم يعرف وكثر ما فيه الطلب والإلحاح ) والحكمة في احتجابه عن الأنبياء عليهم السلام أن النبي إذا اطلع عليه لا يقدر على الدعوة وإجراء أحكام الشريعة على الأمة ، بل يعذر كلامهم فيما هو عليه لإعطاء عينه ذلك .
( واعلم أن الرسل صلوات اللّه عليهم من حيث هم رسل لا من حيث هم أولياء وعارفون على مراتب ما هي عليه أممهم ) هي ضمير منهم يفسر أممهم أي : على مراتب ما أممهم عليه من الاستعدادات والقابليات ( فما عندهم ) ، أي عند كل رسول منهم ( من العلم الذي أرسلوا به ) ، أي أرسل كل واحد منهم بحصة منه ( إلا قدر ما يحتاج إليه أمة ذلك الرسول لا زائد ولا ناقص ) ، لأنه إنما أرسل ليعطي كل واحد من أمته ما سأله بلسان الاستعداد من غير زيادة ولا نقصان ليطابق عطاؤه السؤال ( والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض ) في علوم الرسالة لدلالة الرسل عليه ( فيتفاضل الرسل في علم الإرسال بتفاضل أممها وهو قوله تعالى :تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ[ البقرة : 253 ] كما هم أيضا فيما يرجع إلى ذواتهم عليهم السلام ) من حيث أنهم أنبياء ( من العلوم والأحكام لا إلهية متفاضلون بحسب استعداداتهم وهو ) يدل على ذلك ( قوله تعالى :وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ[ الإسراء : 55 ] وقال تعالى في حق الخلق ) مطلقا (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ[ النحل : 71 ] ، والرزق منه ما هو روحاني كالعلوم وحسي كالأغذية وما