فما حكم القضاء على الأشياء إلّا بها .
وهذا هو عين سرّ القدر الذي يظهر
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ ق : 37 ] .
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] .
فالحاكم في التّحقيق تابع لعين المسألة الّتي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها .
فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك فكلّ حاكم محكوم عليه بما حكم به وفيه ، كان الحاكم من كان .
شرح
في العين على ما في العلم ولا لما في العلم على ما في العين فلا حاجة إلى زيادة النقصان ( فما حكم القضاء على الأشياء إلا بها ) ، أي بتلك الأشياء بما هي عليه في حد أنفسها ( وهذا ) ، أي حكم القضاء على الأشياء بما هي عليه ( عين سر القدر ) ، أي عين حقيقة مستورة عن أعين المحجوبين يترتب عليها القدر ( الذي يظهرلِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) يتقلب في العلوم والمعارف بطريق الذوق والوجدان (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) ، أي من له قلب (وَهُوَ شَهِيدٌ) [ ق : 37 ] حاضر القلب متهيىء لما يرد على سمعه قابل لفهمه (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) غاية التبيين للمقاصد على خلقه في إعطائهم ما يشفيهم من الكفر والعصيان لا للخلق عليهم إذ لا يعطيهم إلا ما طلبوا منه بلسان استعدادهم ، فما قدر عليهم ما قدر لمجرد إرادته من غير اقتضاء قابليتهم واستعداداتهم .
فإن قلت : الأعيان مع استعداداتها مجعولة للحق تعالى فللخلق الحجة البالغة .
قلنا : هي مجعولة له تعالى بمعنى أنها فائضة منه بتجلياته الذاتية بصور شؤونه المستجنة في غيب هوية ذاته بلا تخلل إرادة واختيار بل بالإيجاب المحض فليس لأحد أن يقول : رب لم جعلتني كذلك .
فإن قلت : فعلى ذلك ما المثوبات والعقوبات على أعمالنا .
قلنا : كما أن أعمالنا من مقتضيات أعياننا كذلك المثوبات والعقوبات من مقتضيات أعمالنا ، فهي أيضا من أحوال أعياننا ولكن بواسطة ، غاية ما في الباب أن الحق سبحانه جواد مطلق ، فكل ما يطلب منه بلسان الاستعداد الوجود يجود به عليه سواء كان من جنس المثوبات أو العقوبات ( فالحاكم بالتحقيق تابع لعين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها ) المسألة مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أي تابع لغير الحقيقة السائلة الذي يحكم ذلك الحاكم فيها بما تقتضيه ذاتها ( فالمحكوم عليه بما هو فيه ) من الأحكام الخاصة به ( حاكم ) بلسان استعداده ( على الحاكم أن يحكم عليه بذلك ) ، أي بما هو فيه ( وكل حاكم محكوم عليه بما حكم به ) من الأحكام ( و ) كذلك محكوم عليه