بما أعطونا من نفوسهم ممّا هم عليه ، فإن كان ظلما فهم الظّالمون . ولذلك قال :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ الأعراف : 160 ] فما ظلمهم اللّه ، كذلك ما قلنا لهم إلّا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم ؛ وذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا ، ولا نقول كذا ، فما قلنا إلّا ما علمنا أنّا نقول فلنا القول منّا . ولهم الامتثال وعدم الامتثال مع السّماع منهم .
فالكلّ منّا ومنهم * والأخذ عنّا وعنهم
إن لا يكونوا منا * فنحن لا شك منهم
فتحقّق يا وليّ هذه الحكمة الملكيّة من الكلمة اللّوطيّة فإنّها لباب المعرفة .
شرح
الوجود ( إلا بحسب ما علمناهم وما علملناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم مما هم عليه فإن كان ) في الواقع ( ظلما فهم الظالمون ) فإنهم طلبوا من الجواد المطلق وجود ما يجري عليهم من الظلم ( ولذلك قال :وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَفما ظلمهم اللّه ) [ البقرة : 57 ] وكما أنه ما أعطونا من العلم بهم إلا ما أعطونا ذواتهم ( كذلك ما قلنا لهم ) ، أي أمرناهم بهذا القول : كن ( إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم ) ، أي نأمرهم بهذا القول ( وذاتنا معلومة بما هي عليه من أن نقول كذا ولا نقول كذا فما قلنا إلا ما علمناه أنا نقول فلنا القول منّا ) بكلمة كن ( ولهم الامتثال ) قطعا إن كان القول أمرا إيجاديا أو إيجابيا واقتضت أعيانهم امتثاله ( وعدم الامتثال ) إن كان الأمر أمرا إيجابيا اقتضت أعيانهم امتثاله ( مع السماع ) ، أي مع وقوع سماع قولنا ( منهم . . فالكل منا ومنهم . . والأخذ عنا وعنهم ) يحتمل أن يكون هذا الكلام من لسان الأسماء الإلهية وهو الظاهر نظرا إلى الكلام السابق ، ويحتمل أن يكون من لسان الأعيان الثابتة فعلى الأول معناه أن كل ما دخل في الوجود منا أي من حضرات الأسماء بالفعل والتأثير منهم ، أي من الأعيان الثابتة باعتبار القول والتأثر والأخذ ، أي أخذهم الوجود عنا وأخذنا العلم بهم عنهم ، وعلى الثاني معناه أن الكل منا ، أي من الأعيان الثابتة المتأثر ومنهم أي من الأسماء الإلهية المؤثرة وأخذهم العلم بنا عنا وأخذنا الوجود عنهم ( إن لا يكونون منا ) تقدير الكلام إن كان الأعيان الثابتة أو الأسماء الإلهية لا يكونون منا لمكان النون في يكونون ، وفي بعض النسخ إن لم يكونوا ولا حاجة حينئذ إلى هذا التقدير ، فعلى الاحتمال الأول معناه إن لم تكن الأعيان الثابتة ظاهرة عنا في عرصة الوجود الكوني باعتبار أنها ما شمت رائحة الوجود فنحن أي الأسماء الإلهية ظاهرون فيها منهم لأنهم مجالينا ومظاهرنا باعتبار ظهور عكوسهم وظلالهم في مرآة ظاهر الوجود الحق ، وعلى الثاني معناه إن لم تكن الأسماء الإلهية وكيف تكون منا وهي المؤثرات في وجودنا ( فنحن بلا شك منهم ) لهذا المعنى بعينه ( فتحقق يا ولي هذه الحكمة الملكية من الكلمة اللوطية فإنها لباب المعرفة )