هويّته وحقيقته .
ولهذا ما عثر أحد من العلماء والحكماء على معرفة النّفس وحقيقتها إلا الإلهيّون من الرّسل والأكابر من الصّوفيّة . وأمّا أصحاب النظر وأرباب الفكر من القدماء والمتكلّمين في كلامهم في النّفس وماهيّتها ، فما منهم من عثر على حقيقتها ولا يعطيها النظر الفكريّ أبدا .
فمن طلب العلم بها من طريق النّظر الفكريّ فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم ، لا جرم أنّهم من
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
( 104 ) [ الكهف : 104 ] فمن طلب الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه .
وما أحسن ما قال اللّه تعالى في حقّ العالم وتبدّله مع الأنفاس « في خلق جديد » في عين واحدة فقال في حقّ طائفة بل أكثر العالم
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ ق : 15 ] فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس .
لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض ، وعثرت عليه الحسبانيّة في العالم كلّه ، وجهّلهم أهل النّظر بأجمعهم .
شرح
هويته ) التي اختلفت فيه ( و ) عين ( حقيقته ) التي تسترت به ( ولهذا ) ، أي لكون معرفة النفس ما ذكرناه وهي لا تحصل إلا بالكشف والذوق ( ما عثر ) ، أي ما اطلع ( أحد من العلماء على معرفة النفس وحقيقتها إلا الإلهيون من الرسل والصوفية ) إذ لا تحمل عطايا الملك إلا مطايا الملك .
( وأما أصحاب النظر وأرباب الفكر من ) الحكماء ( القدماء والمتكلمين في كلامهم في النفس وماهيتها فما منهم من عثر على حقيقتها ولا يعطيها ) ، أي لا يعطى حقيقتها والعثور عليها ( النظر الفكري أبدا . فمن طلب العلم بها ) ، أي بماهية النفس وحقيقتها ( من طريق النظر الفكري فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم لا جرم أنهم منالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) التي هي مادة الحياة الحقيقية الأبدية الأخروية (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[ الكهف : 104 ] فمن طلب الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه ) .
ولما انجر كلام الشيخ رضي اللّه عنه إلى أن العالم كثرة مشهودة في عين واحدة فقال : ( وما أحسن ما قال اللّه في حق العالم وتبدله مع الأنفاس في خلق جديد في عين واحدة فقال : في حق طائفة ) وهم أهل النظر ( بل أكثر العالم ) فإنهم محجوبون عن ذلك التشابه الصور ( بل هم في لبس من خلق جديد فلا يعرفون تحديد الأمر ) ، أي أمر وجود العالم ( مع الأنفاس ، لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض ) فإنهم ذهبوا إلى أن العرض لا يبقى زمانين ( وعثرث عليه الحسبانية في العالم