تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وقد ذكرنا صورة التّرقي بعد الموت في المعارف الإلهيّة في كتاب التّجلّيات لنا عند ذكرنا بعض من اجتمعنا به من الطّائفة في الكشف وما أفدناهم في هذه المسألة ممّا لم يكن عندهم . ومن أعجب الأمر أنّه في التّرقّي دائما ولا يشعر بذلك للطافة الحجاب ورقّته وتشابه الصّور مثل قوله تعالى :
هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[ البقرة : 25 ] . وليس هو الواحد عين الآخر فإنّ الشّبيهين عند العارف من حيث إنّهما
شرح
عندهم وإمدادهم بما ترقوا به في الدرجات ( وقد ذكرنا صورة الترقي بعد الموت في المعارف الإلهية في كتاب التجليات لنا عند ذكرنا من اجتمعنا به من الطائفة في الكشف ) كذي النون المصري والجنيد وسهل بن عبد اللّه ويوسف بن الحسين والحلاج قدس اللّه أسرارهم ( وما أفدناهم في هذه المسألة ) ، أي مسألة المعارف الإلهية ( ما لم يكن عندهم ) لما يدل على عدم الترقي بعد الموت من قوله تعالى :وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًاإنما هو بالنسبة إلى معرفة الحق لمن لا معرفة له أصلا ، فإنه إذا انكشف الغطاء ارتفع العمى بالنسبة إلى دار الآخرة ونعيمها وجحيمها والأحوال التي فيها . وأما قوله عليه السلام : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث » « 1 » ، فهو يدل على أن الأشياء التي يتوقف حصولها على الأعمال لا تحصل ، وما لا يتوقف عليها بل تحصل بفضل اللّه ورحمته فقد تحصل ، وذلك في مراتب الترقي ( ومن أعجب الأمر ) ، أي أمر الإنسان ( أنه في الترقي ) من صورة إلى صورة ظاهرا وباطنا ( دائما ) آنا فآنا ( ولا يشعر بذلك الترقي للطافة الحجاب ) الساتر وجه اتحاد الصورتين وهو ما تمتاز به إحداهما عن الأخرى ( ورقته ) عطف تفسير للطافة ( وتشابه الصور ) عطف على لطافة الحجاب ومتفرع عليه ، فإنه إذا لم يستر ما به لامتياز وجه الاتحاد غلب حكم ما به الاتحاد وتشابهت الصورتان فلا تتميز إحداهما عن الأخرى تمييزا ظاهرا ، فلا يشعر بالترقي الذي لا يدرك إلا بهذا التميز ( مثل قوله ) تعالى صفة مصدر محذوف ، أي تشابها مثل تشابه أرزاق أهل الجنة المفهوم من قوله تعالى : (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاًوليس هو الواحد عين للآخر ) لفظة هو تأكيد للضمير المستتر في ليس والواحد عطف بيان له وعين الآخر خبر ليس ، أي ليس الواحد من أرزاق أهل الجنة عين الرزق الآخر منها بل غيره ، ومثل هذا الضمير كثيرا ما يقع في مصنفات الشيخ رضي اللّه عنه وكأنه من خواص لغة المغاربة ( فإن الشبيهين عند العارف ) ، أي عند الذي
هامش
( 1 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ، باب ذكر الدليل على أن أجر الصدقة . . . ، حديث رقم ( 2494 ) ، وابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان . . . ، حديث رقم ( 3016 ) . ورواه غيرهما .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 292 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي