ولكن أخطأ الفريقان : أمّا خطأ الحسبانيّة فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتّبدّل في العالم بأسره على أحديّة عين الجوهر المعقول الّذي قبل هذه الصّور ولا يوجد إلّا بها كما لا تعقل إلّا به فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التّحقيق في الأمر .
وأمّا الأشاعرة فما علموا أنّ العالم كلّه مجموع أعراض فهو يتبدّل في كلّ زمان إذ العرض لا يبقى زمانين .
ويظهر ذلك في الحدود . للأشياء ، فإنّهم إذا حدّوا الشّيء تتبيّن في حدّهم تلك الأعراض وأنّ هذه الأعراض المذكورة في حدّه عين هذا الجوهر وحقيقته القائم بنفسه .
شرح
كله ) جواهره وأعراضه وهم المسماة بالسوفسطائية الذين يذهبون إلى تبدل العالم وعدم تقرره بحال ( وجهلهم ) ، أي الحسبانية ( أهل النظر بأجمعهم ولكن أخطأ الفريقان . أما خطأ الحسبانية فلكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدل في العالم بأسره على أحدية عين الجوهر المعقول ) ، أي المدرك بالعقل لا بالحواس ( الذي قبل هذه الصور ) ، أي صورة العالم ( ولا يوجد ) ذلك الجوهر ( إلا بها ) إلا بهذه الصورة في الحس الباطن ، وهو عالم المثال المطلق والمقيد والحس الظاهر أي عالم الشهادة المدرك بالحواس الخمس الظاهرة ، وليس المراد أن ذلك الجوهر بدون تلك الصور غير موجود في نفسه بل هو موجود في العقل فقط ( كما لا تعقل ) تلك الصورة ( إلا به ) ، أي بذلك الجوهر لأنه داخل في حدها .
فإن قلت : عدم العثور على الشيء من مقول الجهل البسيط والخطأ إنما يكون من الجهل المركب .
قلنا : كأنهم حيث لم يعثروا على أحدية عين قابلة تلك الصورة المتبدلة الغير المتقررة اعتقدوا أنها ظاهرة بأنفسها لا في جوهر واحد العين وذلك جهل مركب يسلتزم الخطأ ( فلو قالوا بذلك ) ، أي بأن الجوهر شيء واحد يطرأ عليه صورة العالم كله فتصير موجودات متعينة متكبرة وذلك الجوهر عين الحق الذي بتجليه واحد العالم ( فازوا بدرجة التحقيق في الأمر ) لأنهم حينئذ كانوا عارفين بالأمر على ما هو عليه .
( وأما الأشاعرة فما علموا ) ، أي وأما خطأ الأشاعرة فإنهم ما علموا ( أن العالم كله مجموع أعراض ) يتقوم بها ذلك الكل ( فهو يتبدل في كل زمان إذ العرض لا يبقى زمانين ويظهر ذلك ) ، أي كون العالم مجموع أعراض ( في الحدود للأشياء فإنهم إذا حدوا الشيء تبين في حدهم كونه ) ، أي كون ذلك الشيء ( تلك الأعراض وأن هذه الأعراض المذكورة في حده عين هذا الجوهر المحدود وحقيقته القائم بنفسه ) بالجر على أنه صفة للجوهر ، وذلك لأن المذكور في حدود الأشياء ذاتياتها وذاتيات الشيء ومقوماته