تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
فأوّل ما نفّس عن الرّبوبيّة بنفسه المنسوب إلى الرّحمن بإيجاده العالم الّذي تطلبه الرّبوبيّة بحقيقتها وجميع الأسماء الألهيّة . فيثبت من هذا الوجه أنّ رحمته وسعت كلّ شيء فوسعت الحقّ ، فهي أوسع من القلب أو مساوية له في السّعة . هذا مضى : ثمّ لتعلم أنّ الحقّ تعالى كما ثبت في الصّحيح يتحوّل في الصّور عند التّجلّي ، وأنّ الحقّ تعالى إذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات فكأنّه يملؤه . ومعنى هذا أنّه إذا نظر إلى الحقّ عند تجلّيه له لا يمكن معه أن ينظر إلى غيره . وقلب العارف من السّعة كما قال أبو يزيد البسطاميّ : « لو أنّ العرش وما حواه
شرح
كرب الأسماء ( فأول ما نفس ) ، أي أوّل تنفيسه على أن تكون ما مصدرية هو التنفيس ( عن الربوبية ) أوّل تنفيسه من الربوبية ( بنفسه المنسوب إلى الرحمن ) إنما هو ( بإيجاد العالم الذي تطلبه الربوبية بحقيقتها ) الطالبة لوجود العالم فقوله : فأوّل ما نفس ، مبتدأ خبره أما قوله : عن الربوبية أو قوله بإيجاد العالم وقوله : ( وجميع الأسماء الإلهية ) إما مجرور عطفا على الربوبية التي هي مدخول عن أو مرفوع عطفا على الربوبية التي هي فاعل تطلبه وأما جعل « ما » في « ما نفس » موصولة فوجه صحته غير ظاهر ( فثبت من هذا الوجه ) الذي يتكلم به لسان الخصوص ( أن رحمته وسعت كل شيء ) حقا كان أو خلقا ( فوسعت ) ، أي الرحمة ( الحق ) أيضا ( فهي ) ، أي الرحمة ( أوسع من القلب ) فإنها وسعت القلب وما سواه والقلب لا يسع نفسه ، هذا إذا اعتبر سعة القلب باعتبار انطوائه على الحقائق كلها ، وأما إذا اعتبرت باعتبار العلم فهو يسع نفسه أيضا فتكون الرحمة حينئذ مساوية له في السعة ، وإلى هذا أشار بقوله : ( أو مساوية له في السعة هذا ) الذي تكلم به لسان العموم والخصوص ( مضى ) وبسط الكلام في بيانه قد انقضى . ( ثم لتعلم أن الحق تعالى كما ثبت في الصحيح يتحوّل في الصور ) المختلفة ( عند التجلي ) بالسعة والضيق فتارة يتجلى في هذه الصورة وتارة في تلك الصورة . ( و ) لنعلم أيضا ( أن الحق تعالى إذا وسعه القلب ) وصار مجلى له ( لا يسع معه غيره من المخلوقات ) ولا تبقى فيه فضلة يحل فيها غير الحق سبحانه ( فكأنه يملأه ) حتى لا يبقى منه فضلة للغير . ( ومعنى هذا ) الذي ذكرنا من أنه إذا تجلى الحق لم يسع القلب غيره ( أنه إذا نظر إلى الحق عند تجليه له لا يمكن معه أن ينظر إلى غيره ) لانحيازه بالكلية إليه وانقهار الأشياء تحت قهر التجلي . ( وقلب العارف من السعة ) والإطلاق إنما هو ( كما قال أبو يزيد البسطامي قدس