وذكر أنّ ثمّ وجه اللّه ، ووجه الشّيء حقيقته . فنبّه بهذا قلوب العارفين لئلّا تشغلهم العوارض في الحياة الدّنيا عن استحضار مثل هذا .
فإنّه لا يدري العبد في أيّ نفس يقبض فقد يقبض في وقت غفلة فلا يستوي مع من يقبض على حضور .
ثمّ إنّ العبد الكامل مع علمه بهذا يلزم في الصّورة الظاهرة والحال المقيّدة التّوجّه بالصّلاة إلى شطر المسجد الحرام ويعتقد أنّ اللّه في قبلته حال صلاته ، وهي بعض مراتب وجه الحقّ في
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] فشطر المسجد
شرح
مميزا إياه ( من أين ) آخر ( و ) ما ( ذكر أن ثمة ) ، أي في الأين الأوّل مثلا (وَجْهُ اللَّهِ) دون الأين الآخر ( ووجه الشيء حقيقته ) فتكون حقيقة الحق سبحانه متجلية في كل أين وظاهرة في كل عين ( فنبه بهذا ) الذي ذكر ( قلوب العارفين ) على شمول وجه المطلق على كل أين وعين ( لئلا يشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا ) الوجه المطلق الغير المقيد بأين دون أين بل يستحضرونه في كل ما يرد عليهم من عوارض الحياة الدنيا فيحظون بالعلم الأتم والشهود الأعم كما أشار إليه الشيخ رضي اللّه عنه بقوله :عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه( فإنه لا يدري العبد في أي نفس يقبض ) فيستحضره في ذلك النفس وإذا لم يدر في أي نفس يقبض ولم يستوعب استحضاره جميع الأنفاس ( فقد يقبض ) بعضهم ( في وقت غفلة فلا يستوي مع من قبض على ) صفة ( حضور ) فإن الأوّل يحشر وجهه إلى غير الحق سبحانه فيستحق البعد والطرد والثاني يحشر ووجهه إلى الحق سبحانه مشاهد إياه فيسعد بالسعادة العظمى والمثوبة الكبرى ( ثم إن العبد الكامل مع علمه بهذا ) ، أي بعدم انحصار الحق في أينية خاصة وجهة معينة ( يلزم ) ، أي يلازم ( في الصورة الظاهرة ) الحسية اللدنية لا في الصورة الباطنة القلبية الروحية ( و ) في ( الحالة المقيدة ) المخصوصة التي حال الصلاة ( التوجه بالصلاة إلى شطر المسجد الحرام ) انقيادا لأمر الحق سبحانه واتباعا لشريعة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ( ويعتقد أن اللّه في قبلته « 1 » حال صلاته ) غير منحصر فيها ( وهي ) ، أي قبلته ( بعض مراتب ) ظهور ( وجه الحق ) المفهومة من قوله تعالى : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ
هامش
( 1 ) يشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن اللّه قبّل وجهه إذا صلى » .
( صحيح مسلم ، كتاب المساجد . . . ، باب النهي عن البصاق في المسجد ، حديث رقم [ 50 - ( 547 ) ] . والحديث عند غير مسلم أيضا .