تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
فمن رأى الحقّ منه بعينه فذلك العارف . ومن رأى الحقّ منه بعين نفسه فذلك غير العارف . ومن لم ير الحقّ منه وانتظر أن يراه بعين نفسه فذلك الجاهل . وبالجملة فلا بدّ لكلّ شخص من عقيدة في ربّه يرجع بها إليه ويطلبه فيها . فإذا تجلّى له الحقّ فيها عرفه وأقرّ به ، وإن تجلّى له في غيرها أنكره وتعوّذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر . وهو عند نفسه أنّه قد تأدّب معه . فلا يعتقد معتقد إلها إلّا بما جعل في نفسه ؛ فالإله في الاعتقادات بالجعل ، فما
شرح
كذلك ينزه فيما ( ينزّه ) من المظاهر المنزهة ( ويوصف ) بما تنزه عنه تلك المظاهر في مظاهر أخر ، أو نقول معناه ينكر في بعض المظاهر بأن يكون ذلك البعض ممن نكره ويعرف في بعضها بأن يكون ذلك البعض من القائلين بالتنزيه ويوصف ، أي يشبه في بعض المظاهر إذا كان من القائلين بالتشبيه أو نقول معناه ينكر إذا كان متجليا في غير صورة معتقد المتجلى له ، ويعرف إذا كان على صورة معتقده وينزه إذا كان اعتقاده التنزيه ، ويوصف إذا كان اعتقاده التشبيه ( فمن رأى الحق ) رؤية منشأة ( منه ) ، أي من الحق بأن يكون الرائي هو الحق ( فيه ) ، أي في الحق بأن يكون المجلى أيضا الحق سبحانه ( بعينه ) ، أي بعين الحق بأن تكون آلة الرؤية عين الحق لا عين نفسه ( فذلك ) الرائي هو ( العارف ومن رأى الحق منه بعين نفسه فذلك غير العارف ) الذي يعرف الحق بجميع اعتباراته فإنه وإن كان عارفا بأن الرائي والمجلى هو الحق لكنه لم يعرف أن عينه عين الحق ، بل توهمها غيرها وتخيل أنه رآها بذلك الغير وليس هذا من مقتضيات المعرفة ، لأن العارف يعلم أن الحق لا يراه إلا عينه ( ومن لم ير الحق منه ولا فيه وانتظر أن يراه ) في الآخرة ( بعين نفسه ) لا بعين الحق ( فذلك الجاهل ) ، فإنه ما رآه في هذه البشارة وما انتظر رؤيته في الآخرة على ما هو الأمر عليه في نفسه ، فإن رؤيته في الآخرة تكون بعين الحق لا بعين الرائي . ( وبالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها ) ، أي بتلك العقيدة ( إليه ) سبحانه إذا رجع إليه دنيا وأخرى ( ويطلبه فيها ) ، أي في تلك العقيدة إذا طلبه ( فإذا تجلى له الحق فيها ) ، أي في صورة عقيدته ( عرفه ) أنه ربه ( وأقر به وإن تجلى له في غيرها ) ، أي في غير صورة عقيدته ( أنكره ) ، ولم يعرفه ( وتعوّذ منه ) أن يعتقده ربه ( وأساء الأدب عليه في نفس الأمر ) ينفي كونه ربه فإنه من بعض تجلياته ( وهو عند نفسه أنه تأدب معه ) حيث نفى عنه ما لا يليق به في زعمه ( فلا يعتقد معتقد ) من المحجوبين ( إلها ) إلا بما جعل ، أي ( إلا بجعله له في نفسه ) وخلقه فيها فإن أصحاب الاعتقادات لا يعتقدون