تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
جثثهم الّتي عمّرتها أرواحهم الحقّيّة . فزالت حقّيّة هذه النّسب الخاصّة وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصّة بهم من الحقّ الّتي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل وعذبات الأسواط والأفخاذ . وقد ورد النّصّ الإلهيّ بهذا كلّه . إلّا أنّه تعالى وصف نفسه بالغيرة ، ومن غيرته « حرّم الفواحش » .
شرح
أي مساكنهم ( جثثهم التي عمرتها أرواحهم الحقية ) التي بواسطتها يرث الحق سبحانه أبدانهم ، أو التي هي مظاهر الاسم الحق الذي له الثبات والدوام فإن الأرواح لا يتطرق إليها فساد وهلاك بخلاف الأبدان وعمارة الأرواح الأبدان كتعمير الملائكة السماوات كما هو مذكور في الحديث ، وتعمير الصالحين المساجد وتعمير المتهجدين الليل . وما قيل في قوله : عمرتها أرواحهم إشارة إلى أن الأرواح هي التي تعمر الأبدان وتكوّنها أوّلا في رحم الأم ثم تدبرها في الخارج ، فهي موجودة قبل وجود الأبدان لا تصح إلا في الأرواح الكلية التي هي للكمل . وأما الأرواح الجزئية التي لسائر الناس فلا يوجد إلا بعد حصول المزاج وتسوية البدن كما ذهب إليه الحكماء في الأرواح كلها ، صرح بذلك الشيخ صدر الدين القونوي قدس اللّه سره في بعض رسائله ( فزالت حقيقة هذه النسبة الخاصة ) ، أي ربوبيتها فيكون المراد بالنسب الخاصة أرواحهم التي خص كل واحد منها بدن آخر والتعبير عنها بالنسب إما بناء على أنها حاصلة من نسبة الروح الكلي إلى الأبدان أو على أن لها نسبة التدبير والتصرف إلى أبدانهم ، فعبر عنها بالنسب توسعا وتجوّزوا . ويمكن أن يراد بالنسب : تعلقاتها بالأبدان في التدبير والتصرف ، وبحقيتها : ثبوتها وبقاؤها ( فبقيت على هياكلهم ) بعد زوال الحياة ( الحياة الخاصة بهم ) ، أي بهياكلهم الناشئة ( من ) تجلي ( الحق ) سبحانه عليهم بالاسم الحي الساري في الكل فإن لأبدان الحيوانات نوعين من الحياة . أحدهما : الحياة الخاصلة لها بواسطة تعلق الأرواح بها ، وثانيهما : الحياة اللازمة لها لسريان الوجود الحق لجميع صفاته كالحياة والعلم ، وغيرهما في كل موجود فإذا انقطعت علاقة الأزواج من الأبدان زالت الحياة الأولى وبقيت الثانية الخاصة بها ، أي الحاصلة لها من غير توسط أمر مغاير لها وهذه الحياة الخاصة هي ( التي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل ) ، كما وقع في الكلام الإلهي ( وعذبات الأسواط والأفخاذ ) كما ورد في الحديث النبوي . ( وقد ورد النص الإلهي ) إما من مقام الجمع الإلهي ، أو الفرق النبوي كما ذكرنا ( بهذا ) الذي ذكرناه ( كله إلا أنه تعالى وصف نفسه ) على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم ( بالغيرة ) حيث