تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
فلا ينتج هذا الشّهود في أخذ النّواصي بيد من هو على صراط مستقيم إلّا هذا الفنّ الخاصّ من علوم الأذواق .
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ
[ مريم : 86 ] وهم الّذين استحقّوا المقام الّذي ساقهم إليه بريح الدّبور الّتي أهلكهم عن نفوسهم بها . فهو يأخذ بنواصيهم والرّيح تسوقهم وهي عين الأهواء الّتي كانوا عليها إلى جهنّم ، وهي البعد الّذي كانوا يتوهّمونه . فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنّم في حقّهم ، ففازوا بنعيم القرب من جهة
شرح
وأثبتنا الأرجل للسالك المعنوي كالسالك الصوري فسمينا العلم الحاصل من سلوكه المعنوي علم الأرجل على سبيل الشبه ( فلا ينتج هذا الشهود ) ، أي شهود الأحدية ( في أخذ النواصي ) ، أي في كون النواصي مأخوذة ( بيد من هو على صراط مستقيم ) يعني لا ينتج في ذلك إلا الأخذ بشهود وحدة الأحد ( إلا هذا الفن الخاص ) ، يعني علم الأرجل الذي هو ( من علوم الأذواق ) ، فإن العلم الحاصل بالسلوك يفضي إلى شهود وحدة أخذ نواصي الخلائق والتصرف فيهم فقوله : هذا الشهود منصوب على المفعولية ، وهذا الفن مرفوع على الفاعلية ، وفي أخذ النواصي متعلق بلا ينتج . ولما ذكر أن الآخذ بالنواصي كلها والعائد لأصحابها إنما هو الحق سبحانه أراد أن ينبه على أنه كما لا قائد بهم يأخذ بنواصيهم إلا هو كذلك لا سابق لهم إلا هو فهو القائد والسابق فذكر قوله تعالى : ( فيسوق المجرمين وهم ) ، أي المجرمون هم : ( الذين استحقوا المقام الذي ساقهم ) اللّه تعالى ( إليه ) ، أي إلى ذلك المقام ( بريح الدبور التي أهلكهم ) الحق سبحانه ( عن نفوسهم بها ) ، أي تلك الريح ( فهو يأخذ بنواصيهم والريح تسوقهم ) ، أي هو سبحانه يسوقهم بالريح أسند الفعل إلى السبب ( وهي ) ، أي الريح ( عين الأهواء التي كانوا عليها ) ظهرت بصورة ريح الدبور لأنها انتشت من الجهة الخلفية التي لها الأدبار ( إلى جهنم وهي ) ، أي جهنم هي ( البعد الذي كانوا يتوهمونه ) فإنه لا بعد في الحقيقة إذ المقامات والمواطن كلها مراتب ظهوره سبحانه فلا بعد إلا على سبيل التوهم ( فلما ساقهم ) اللّه سبحانه بريح الدبور التي كانت صورة أهوائهم ( إلى ذلك الموطن ) ، يعني جهنم وأخذ منهم الاسم المنتقم حقه على مر السنين والأحقاب وخلصوا عن أنفسهم وعرفوا أن لا ملجأ ولا منجا إلا اللّه سبحانه ( حصلوا في عين القرب ) وانكشف لهم أن البعد المسمى بجهنم ما كان إلا أمرا متوهما ( فزال البعد فزال مسمى جهنم ) الذي هو البعد المتوهم ( في حقهم ) لا ذاته التي هي ذلك الموطن ( ففازوا بنعيم القرب