إذا دان لك الخلق * فقد دان لك الحقّ
وإن دان لك الحقّ * فقد لا يتبع الخلق
فحقّق قولنا فيه * فقولي كلّه الحقّ
فما في الكون موجود * تراه ما له نطق
وما خلق تراه العين * إلّا عينه حقّ
ولكن مودع فيه * لهذا صوره حقّ
واعلم أنّ العلوم الإلهيّة الذّوقيّة الحاصلة لأهل اللّه مختلفة باختلاف القوى
شرح
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍفينبغي أن يكون ماشيا عليه ( إذا دان ) ، أي أطاع ومشى على طريق الانقياد ( لك الخلق ) الذي أخذ بناصية الخلق ومشى بهم على ذلك الصراط ، لأن من يأخذ بناصية أحد ويمشي به على صراط لا بد أن يمشي عليه فهو يدب بالأصالة .
ومن يمشي به يدب بالتبعية ( فقد ، دان ) ، أي أطاع ومشى على طريق الانقياد ( لك الحق وإن دان لك الحق فقد لا يتبع الخلق ) ولا يمشي على صراط الانقياد لك ، لأن كل ما يكون في مرتبة الجمع ليس يلزم أن يظهر في مقام الفرق بخلاف العكس ، فإن كل ما يكون في مقام الفرق لا بد أن يكون في مرتبة الجمع ( فحقق ) ، أي اعتقد حقا وصدقا ( قولنا ) الواقع ( فيه ) ، أي فيما ذكرنا من أن انقياد الخلق يستلزم انقياد الحق من غير عكس ( فقولي كله ) في أي شيء وقع هو ( الحق ) المطابق لما في نفس الأمر فإنه كما ذكر في صدر الكتاب من مقام التقديس المنزه عن الأعراض والتلبيس ( فما في الكون موجود . . . تراه ما له نطق ) ، لأن الكل ناطق بتسبيح اللّه سبحانه وليس هذا النطق بلسان الحال كما يزعمه المحجوبون .
قال الشيخ رضي اللّه عنه في آخر الباب الثاني من فتوحاته : قد ورد أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس والشرائع والنبوّات مشحونة من هذا القبيل ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف ، فقد سمعنا الأحجار تذكر اللّه رؤية عين بلسان نطق يسمعه آذاننا ويخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال اللّه مما ليس يدركه كل إنسان ( وما خلق تراه العين . . . إلا عينه ) وحقيقته ( حق ) ظهر في صورة الخلق فهو من حيث الحقيقة عين الحق ومن حيث الصورة غيره . وإلى الحيثية الأخيرة أشار بقوله : ( ولكن مودع فيه ) ، أي الحق مودع في الخلق أيداع المطلق في المقيد ( لهذا ) ، أي للحق ( صورة ) ، أي صورة الخلق ( حق ) بضم الحاء جمع حقة وكذلك الصور جمع صورة كلاهما كتمر وتمرة شبه صورة الخلق بالحقة والحق المودع فيه بما فيها .
( اعلم أن العلوم الإلهية ) ، أي الفائضة من الحضرة الإلهية سواء كان متعلقها