كذلك المتحقّق منّا بالحقّ تظهر صورة الحقّ فيه أكثر ممّا تظهر في غيره .
فمنّا من يكون الحقّ سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه بعلامات قد أعطاها الشّرع الّذي يخبر عن الحقّ .
ومع هذا عين الظّل موجود ، فإنّ الضّمير من سمعه يعود عليه .
وغيره من العبيد ليس كذلك فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحقّ من نسبة
شرح
ممتدا إما عن الأعيان أو عن الوجود المطلق ( كذلك ) أي كمثل الزجاج الذي هو ظل نوري لا يحجب النور وأوصافه ( المتحقق منا ) ، أي من بني نوعنا ( بالحق ) ، فلأن المتحقق منا أيضا ظل نوري ( يظهر صورة الحق ) ، أي أسماؤه وصفاته ( فيه ) ظهورا ( أكثر مما يظهر في غيره ) ممن لا تحقق له بالحق ، أي من ظهوره في غيره لتكون ما مصدرية أو تظهر صورة الحق ، أي أسماؤه فيه أكثر من أسماء أو الأسماء التي تظهر في غيره فتكون ما موصوفة أو موصولة ( فمنا من يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه ) الروحانية ( وجوارحه ) الجسمانية ( بعلامات ) دالة على كون الحق عين بصر العبد وسمعه وجميع قواه وجوارحه ( فقد أعطاه الشرع ) .
وفي بعض النسخ الشارع ، أي أعطاه النبي صلى اللّه عليه وسلم الشارع ( الذي يخبر عن الحق ) في الحديث القدسي الوارد في قرب النوافل « 1 » .
ولما ذكر أن الحق سبحانه سمع العبد المتحقق بالحق وبصره وجميع قواه وجوارحه كان محال أن يتوهم أنه فان معدوم بالكلية ، فإنه ليس إلا أحدية جمع تلك القوى والجوارح ، فإن كانت تلك القوى والجوارح عين الحق فلم يبق من العبد شيء دفعه بقوله : ( ومع هذا ) الذي ذكرنا من كون الحق سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه ( عين الظل ) الذي هو العبد المتحقق بالحق ( موجود فإن الضمير ) . في قوله : ( من سمعه ) وبصره ( يعود عليه ) فلم يكن له تعين وتميز في الوجود كيف يعود عليه الضمير ( وغيره ) ، أي غير من يكون متحققا بالحق ( من العبد ليس كذلك ) ، أي بحيث تظهر صورة الحق فيه أكثر ما تظهر في غيره ( فنسبة هذا العبد ) المتحقق بالحق الذي يكون الحق معه سمعه
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه ، باب التواضع حديث رقم ( 6137 ) [ ج 5 ص 2384 ] ونصه : « عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنّ اللّه قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » .