تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
فما يعلم من العالم إلّا قدر ما يعلم من الظّلال ، ويجهل من الحقّ على قدر ما يجهل من الشّخص الذي عنه كان ذلك الظّلّ . فمن حيث هو ظلّ له يعلم ، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظّلّ من صورة شخص من امتدّ عنه يجهل من الحقّ فلذلك نقول : إنّ الحقّ معلوم لنا من وجه ، ومجهول لنا من وجه .
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
، أي يكون فيه بالقوّة . يقول ما كان الحقّ ليتجلّى للممكنات حتّى يظهر الظّلّ فيكون كما بقي من
شرح
قدر جرم الترس ميلا فهذا ) الذي ذكرنا من الصغر ( أثر البعد أيضا ) كما كان السواد والزرقة من أثره ( فما يعلم من العالم ) الذي هو كالظل للحق الذي هو كذي الظل ( إلا قدر ما يعلم من الظلال ) المتعارفة المشهودة بالنسبة إلى أشخاصها ، فكما يعلم من الظل المشهود كونه ممتدا من الشخص تابعا له في الوجود قائما به متشكلا بأشكال أعضائه وأجزائه ، فكذلك يعلم من العالم كونه ظلا ممتدا من الحق سبحانه تابعا له في الوجود قائما مشتملا على صور أسمائه وصفاته ( ويجهل من الحق ) عند معرفته بالعالم ( على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه كان ) ، أي وجد ( ذلك الظل ) المشهود المتعارف عند معرفته بذلك الظل ، فكما يجهل من الشخص عند معرفته بالظل حقيقة ذاته وكنه صفاته ، كذلك يجهل من الحق سبحانه عند معرفته بالعالم حقيقة ذاته وصفاته وأفعاله ( فمن حيث ) أن الحق سبحانه من حيث ( هو ) ، أي العالم ( ظل له ) سبحانه ( يعلم ) ، أي الحق ( ومن حيث ما يجهل ما في ذلك الظل ) الذي هو العالم ( من صورة شخص امتد عنه ) ، وهي صورته الحقيقية المطلقة الذاتية اللاتعينية ( يجهل من الحق فلذلك نقول إن الحق ) سبحانه ( معلوم لنا من وجه ) ، وهو وجه ظهوره بصور الظلال ( مجهول لنا من وجه ) وهو وجه إطلاق ذاته وعدم تناهي تجلياته . ثم استشهد رضي اللّه عنه على ما ادعاه من كون العالم ظلا للحق بقوله تعالى : (أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) [ الفرقان : 45 ] ، إن كان الخطاب لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم كان المراد بالظل العالم كله ، لأن ربه إنما هو الاسم الجامع لجميع الأسماء ، وإن كان الخطاب لكل أحد فالمراد بالظل ذلك الأحد الذي هو بعض أجزاء العالم ومظهر للاسم الذي بربه خاصة ( ولو شاء ) ربك ( لجعله ) ، أي الظل ( ساكنا أي يكون فيه ) ، أي في الحق ( بالقوّة ) ولم يتحرك من القوّة إلى الفعل ولما كان المتوهم من قوله : لجعله ساكنا إحداث السكون له والمراد بقاؤه على السكون الأصلي فسره ( بقوله ) ، أي الحق سبحانه لو شاء ( ما كان الحق يتجلى للممكنات ) ، أي لأعيانها الثابتة في الحضرة العلمية ( حتى