تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ألا ترى الجبال إذا بعدت عن بصر النّاظر تظهر سوداء وقد تكون في أعيانها على غير ما يدركها الحسّ من اللّونيّة ، وليس ثمّة علّة إلّا البعد ؟ وكزرقة السّماء . فهذا ما أنتجه البعد في الحسّ في الأجسام غير النّيرة . وكذلك أعيان الممكنات ليست نيّرة لأنّها معدومة وإن اتّصفت بالثبوت لكن لم تتّصف بالوجود إذ الوجود نور . غير أنّ الأجسام النيّرة يعطى فيها البعد للحسّ صغرا ، فهذا تأثير آخر للبعد . فلا يدركها الحسّ إلّا صغيرة الحجم ، وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر كمّيات ، كما يعلم بالدّليل أنّ الشّمس مثل الأرض في الجرم مائة وستّة وستّين وربعا وثمن مرّة ، وهي في الحسّ على قدر جرم التّرس مثلا ، فهذا أثر البعد أيضا .
شرح
السواد . ثم استشهد على أن البعد يوجب ضربه إلى السواد بقوله : ( ألا ترى الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سوداء و ) الحال أنه ( قد يكون ) الجبال ( في أعيانها على غير ما يدركها الحس من اللونية ) ، أي حد أنفسها غير سود ( وليس ثمة علة ) بالاستقرار لرؤية السواد ( إلا للبعد ) ، فما يوجبه البعد كسواد الجبال ( وكزرقة السماء فهذا ) ، أي سواد الجبال وزرقة السماء ( ما أنتجه البعد في الحس في الأجسام غير النيرة ) التي هي الجبال والسماء وغيرهما ، كما أنّ الجبال والسماء ليست نيرة فيوجب البعد فيها السواد والزرقة ( فكذلك أعيان الممكنات ) من حيث ثبوتها في الحضرة العلمية ( ليست نيرة ) فهي من قبيل الأجسام المظلمة الغير المنيرة فيؤثر البعد فيها ظلمة صورتها السواد أو الزرقة . وإنما قلنا : أعيان الممكنات ليست نيرة ( لأنها معدومة ) بحسب الخارج فهي ( وإن اتصفت بالثبوت ) في الحضرة العلمية ( لكن لم تتصف بالوجود ) الخارجي ( إذ الوجود نور ) يظهر ذات الشيء وأحكامه وآثاره في الخارج والأعيان الثابتة ما ظهرت في الخارج لا ذاتها ولا أحكامها وآثارها فلم تكن متصفة بالوجود . فإذا لم تكن متصفة بالوجود كانت متصفة بالعدم الذي هو الظلمة فلم تكن نيرة . ولما قيد رضي اللّه عنه الأجسام التي تورث البعد فيها السواد والزرقة بكونها غير نيرة يفهم منه أن الأجسام النيرة لا يورث البعد فيها شيئا منها ، فكان محال أن تبين أن البعد فيها يورث شيئا آخر أم لا فقال : ( غير أن الأجسام النيرة ) بل وغير النيرة أيضا ( يعطى فيها البعد للحس صغرا ) بالنسبة إلى ما هي عليه في نفس الأمر ( فهذا تأثير آخر للبعد ) عام للأجسام كلها ( فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم وهي في أعيانها كبيرة ) متجاوزة ( عن ذلك القدر ) المحسوس ( وأكبر كميات ) منه من بعيد ( كما يعلم بالدليل أن الشمس مثل الأرض في الجرم مائة وستة وستين وربعا وثمن مرة وهي ) ، أي الشمس ( في الحس على