فقال :
إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ
[ يوسف : 5 ] أي ظاهر العداوة .
ثمّ قال يوسف بعد ذلك في آخر الأمر :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
أي أظهرها في الحسّ بعد ما كانت في صورة الخيال ، فقال النبيّ محمّد صلى اللّه عليه وسلم :
« النّاس نيام » .
فكان قول يوسف عليه السّلام :
قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
بمنزلة من رأى في نومه أنّه قد استيقظ من رؤيا رآها ثمّ عبّرها ولم يعلم أنّه في النّوم عينه ما برح .
فإذا استيقظ يقول : رأيت كذا ورأيت كأنّي استيقظت وأوّلتها بكذا هذا مثل ذلك . فانظر كم بين إدراك محمّد صلى اللّه عليه وسلم وبين إدراك يوسف عليه السّلام في آخر أمره حين قال :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
[ يوسف : 100 ] معناه حسّا أي محسوسا ، وما كان إلّا محسوسا ، فإنّ الخيال لا يعطي أبدا إلّا المحسوسات
شرح
الباطن ( فقال :إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ[ يوسف : 5 ] ، أي ظاهر العداوة ) فإن الإبانة هي الظهور ( ثم قال يوسف ) عليه السلام ( بعد ذلك في آخر الأمر ) حيث دخلوا مصر وخروا له سجدا ( هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ، أي أظهرها في الحس بعدما كانت في صورة الخيال فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الناس نيام » ) « 1 » ، فجعل مرتبة الحس أيضا من قبيل النوم ) لأنها صورة مرئية لا بإزاء المعاني الغيبية والحقائق الإلهية معبرة بها ( فكان قول يوسف عليه السلام ) قد جعلها ربي حقا ( بمنزلة ) قوله ( من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبرها ولم يعلم أنه في النوم ) الذي رأى فيه الرؤيا ( عينه ) بالجر على أنه توكيد للنوم بقرينة قوله : ( ما برح ) ، أي ما زال عن النوم الذي كان فيه ( فإذا استيقظ يقول : رأيت ) في النوم ( كذا ورأيت كأني استيقظت وأوّلتها ) ، أي رؤياي ( بكذا هذا ) الذي ذكرنا عن حال النائم الذي توهم أنه قد استيقظ ( مثل ذلك ) الذي ذكرنا من يوسف عليه السلام ( فانظر كم ) فرق ( بين إدراك محمد صلى اللّه عليه وسلم ) حيث أدرك الناس في كل حال نيام ( وبين إدراك يوسف عليه السلام في آخر أمره حين قال :هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّامعناه ) ثابتا ( حسا ، أي محسوسا ) بالحواس الظاهرة ( وما كان ) هذا الأمر الثابت حسا ( إلا محسوسا ) ، أي مأخوذا من الحس ( فإن الخيال لا يعطى أبدا إلا المحسوسات ) ، يعني الصورة المأخوذة من الحس فإن المادة التي يتصرف فيها الخيال ليست إلا الصورة الحسية المخزونة فيه وليس المراد أنها حين
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .