تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
لأمر اللّه حين أمره ، فينظر في أمره تعالى وينظر في إرادته فيراه قد أمره بما يخالف إرادته ولا يكون إلّا ما يريد ، ولهذا كان الأمر فأراد الأمر فوقع ، وما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور فلن يقع من المأمور فسمّي مخالفة ومعصية . فالرّسول مبلّغ ولهذا قال : شيبتني سورة هود وأخواتها لما تحوي عليه من قوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
فشيّبه
كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] فإنّه لا يدري هل أمر بما يوافق الإرادة فيقع ، أو بما يخالف الإرادة فلا يقع . ولا يعرف أحد حكم الإرادة إلّا بعد وقوع المراد إلّا من كشف اللّه عن بصيرته
شرح
للمعلوم فما نصح الشيء أو الوارث إلا بما تقتضيه عينه الثابتة ( فالرسول والوارث ) ، كل واحد منهما ( طبيب أخروي للنفوس المكلفة يحفظ صحة الفطرة عليهم ويجتهد في إزالة ما يضادها ( منقاد لأمر اللّه التكليفي ( حين أمره فينظر في أمره تعالى وينظر في إرادته ويراه ، أي الحق ( قد أمره ) يعني العبد المكلف ( بما يخالف إرادته ولا يكون إلا ما يريد ولهذا ، أي لأجل أنه لا يكون إلا ما يريد ( كان الأمر ) ، أي وجد وتحقق الأمر التكليفي فإنه سبحانه أراد وقوعه ( فأراد الأمر ، أي وقوعه ( فوقع وما أراد وقوع ما أمر به متلبسا ( بالمأمور فلم يقع المأمور به ) من العبد المأمور ( فسمى ) عدم وقوع المأمور به ( مخالفة ومعصية ) فلعين هذا العبد الثابتة في الحضرة العلمية استعداد التكليف فيتوجه إليه الأمر التكليفي وليس لها استعداد الإتيان المأمور به ولهذا وقعت المخالفة والمعصية . فإن قلت : ما فائدة الأمر بما يعلم عدم وقوعه . قلت : فائدته تميز من له استعداد القبول ممن ليس له استعداد ذلك لتظهر السعادة والشقاوة وأهلهما . ( فالرسول مبلغ ) للأمر الإلهي خادم له محرض على قبوله لا للأمر الإرادي ( ولهذا ، أي لتخلف وقوع المأمور به عن وقوع الأمر به واتصاف المأمور حينئذ بالمخالفة والمعصية . ( قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « شيبتني هود » ) « 1 » ، أي سورة هود ( « وأخواتها » « 1 » لما تحتوي عليه ) ، سورة هود ( من قوله :فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَفشيبه ) قوله تعالى : (كَما أُمِرْتَفإنه لا يدري ) دائما ( هل أمر بما يوافق الإرادة فيقع ) المأمور به فيتصف بالطاعة ( أو يخالف ) الإرادة ( فلا يقع ) المأمور به فيتصف بالمعصية ( ولا يعرف أحدكم الإرادة ) أنها تعلقت بالمأمور به أو بنقيضه ( إلا بعد وقوع المراد ) الذي هو عين المأمور به أو غيره ( إلا من كشف اللّه بصيرته ) ورفع عنها الحجاب .
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، تفسير سورة هود . . . ، حديث رقم ( 3314 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة الواقعة ، حديث رقم ( 3297 ) ، ورواه غيرهما .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 220 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي