تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
إلّا أنّ الخادم المطلوب هنا إنّما هو واقف عند مرسوم مخدومه إمّا بالحال أو بالقول ، فإنّ الطّبيب إنّما يصحّ أن يقال فيه خادم الطّبيعة لو مشى بحكم المساعدة لها ، فإنّ الطّبيعة قد أعطت في جسم المريض مزاجا خاصا به سمّي مريضا ، فلو ساعدها الطّبيب خدمة لزاد في كمّية المرض بها أيضا وإنّما يردعها طلبا للصّحّة ، والصّحّة من الطّبيعة أيضا ، بإنشاء مزاج آخر يخالف هذا المزاج . فإذن ليس الطّبيب بخادم للطّبيعة . وإنّما هو خادم لها من حيث إنّه لا يصلح جسم المريض ولا يغيّر ذلك المزاج إلّا بالطّبيعة أيضا ففي حقّها يسعى من وجه خاصّ غير عامّ لأنّ العموم لا يصحّ في
شرح
ولما حكم رضي اللّه عنه بكون الطبيب خادما للطبيعية والرسل وورثتهم خدمة للأمر الإلهي بل لأحوال الممكنات ، والمتبادر من الخدمة المطلقة أن يكون في جميع الأمور ، وليس الأمر ههنا كذلك دفعه بقوله ( إلا أن الخادم المطلوب ) بالذكر ( ههنا ) ، أي في هذا المقام ( إنما هو واقف عند مرسوم مخدومه ) ، أي ما رسمه المخدوم وعينه من أحواله ليخدم الخادم فيه ولا يتجاوز منه إلى غيره من الأحوال وليس خادما مطلقا ، أي في جميع الأمور بل فيما رسمه وعينه ، وذلك الرسم والتعيين من المخدوم ( إما بالحال ) كما في الطبيعة لا تطلب بلسان حالها من الطبيب إلا حفظ الصحة وإزالة المرض ، لأن خلقها كذلك فلا تقتضي عند عروّها عن الأمور الغريبة إلا ذلك ، فالطبيب ، إنما يخدمها في ذلك لا غيره ( وإما بالقول ) كالحق سبحانه فإنه رسم لخادمي أمره بالقول أن يخدموه فيما له وجه في الهداية لا مطلقا . ثم بين ما ذكر من أن الخادم المطلوب ههنا إنما هو المفيد لا المطلق بقوله : ( فإن الطبيب إنما يصح أن يقال فيه خادم الطبيعة لو مشى بحكم المساعدة لها ) فيما اقتضته في حدّ ذاتها عرية عن العوارض الغريبة كحفظ الصحة وإزالة المرض لا فيما اقتضته مطلقا ( فإن الطبيعة ) لانضياف العوارض الغريبة إليها ( قد أعطت ) ، أي اقتضت ( في جسم المريض مزاجا خاصا به سمي مريضا فلو ساعدها الطبيب خدمة ) ، من حيث اقتضاؤها المرض ( لزاد في كيفية المرض بها ) ، أي بواسطة الطبيعة ( أيضا ) كما كان يخفظ الصحة ويزيل المرض بواسطتها فإنه لا يتحقق تأثير في طبيعة المريض صحة ومرضا إلا بالطبيعة وليس الطبيب مما يزيد فيه كمية المرض بها ( وإنما يردعها ) ويمنعها عما اقتضته بواسطة العوارض الغريبة ( طلبا للصحة والصحة من الطبيعة أيضا ) بعد المرض ( بإنشاء مزاج ) خاص ( آخر ) في جسم المريض ( يخالف هذا المزاج ) الخاص الذي به سمي مريضا ( فإذن ليس الطبيب بخادم للطبيعة ) مطلقا ( وإنما هو خادم لها من حيث أنه لا يصلح جسم المريض ولا تغير ذلك المزاج ) الذي به يسمى مريضا ( إلا بالطبيعة أيضا ففي حقها ) ، أي الطبيعة ( يسعى ) الطبيب ويخدمها ( ومن وجه خاص ) ، وهو اعتبارها من حيث اقتضاؤها