تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
فلا يذمّنّ إلّا نفسه ولا يحمدنّ إلّا نفسه
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] في علمه بهم إذ العلم يتبع المعلوم . ثمّ السّرّ الّذي فوق هذا في هذه المسألة أنّ الممكنات على أصلها من العدم وليس وجود إلّا وجود الحقّ بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها وأعيانها . فقد علمت من يلتذّ ومن يتألّم . وما يعقب كلّ حال من الأحوال . وبه سمّي عقوبة وعقابا . وهو سائغ في الخير والشرّ غير أنّ العرف سمّاه في الخير ثوابا وفي الشّرّ عقابا . بهذا سمّي أو شرح الدّين بالعادة ، لأنّه عاد إليه ما تقتضيه وتطلبه حاله ، فالدّين العادة ،
شرح
يذمن ) في ضد الخير ( إلا نفسه ولا يحمدن ) في الخير ( إلا نفسه ) ، فإن كلّا من الخير وضده إنما هو صورة حال من أحواله ظهرت في مرآة الوجود الحق بحسب علم الحق به وبأحوال لا يكون إلا على ما هو عليه في نفسه (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) [ الأنعام : 149 ] عليهم ( في علمه بهم إذ العلم يتبع المعلوم ) فلا يتعلق به إلا على ما هو عليه في نفسه وذلك سر القدر . ( ثم السر الذي فوق هذا ) السر الذي ذكرنا ( في هذه المسألة أن الممكنات ) لا تزال ثابتة ( على أصلها من العدم ) ، أي على أصلها الذي هو العدم ما شمت رائحة الوجود فمن في قوله من العدم بيانية ( وليس وجود إلا وجود الحق ) متلبسا ( بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها وأعيانها ) ، أي بصورة أحوال تكون الممكنات عليها فقوله : الممكنات تفسير للضمير وإضافة الأحوال إلى الموصول بيانية ( فقد علمت من يلتذ ) بإدراك ما يلائم ( ومن يتألم ) بإدراك ما لا يلائم فالملتذ والمتألم هو الحق سبحانه إذ لا التذاذ ولا تألم لما لا وجود له لكن بعد تلبسه بصورة أحوال الممكنات وتجليه بها ( و ) كذلك قد علمت ( ما يعقب على حال من الأحوال ) فإنه من تجلياته سبحانه بصوره حال تابع لحال آخر مترتب عليه ( وبه ) ، أي بهذا التعقب ( سمي ) الجزاء ( عقوبة وعقابا ) فالعقوبة والعقاب مأخوذان من العقب ، ( وهو ) ، أي استعمال العقوبة والعقاب ( سائغ ) بحسب أصل اللغة ( في الخير والشر ) إذا كانا مترتبين على أمر آخر جزاء له ( غير أن العرف سماه في الخير ثوابا وفي الشر عقابا ولهذا ) ، أي لأجل أن كل جزاء حال يعقب حالا آخر ( سمي أو شرح ) ، أي فسر ( الدين ) الذي هو الجزاء ( بالعادة لأنه ) ، أي لأن صاحب الدين ( عاد عليه ما يقتضيه ) استعداده ، ( ويطلبه حاله فالدين ) الذي ( هو ) الجزاء هو ( العادة ) .