مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً
[ الفرقان : 19 ] هذا جزاء بما لا يسرّ
وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ
[ الأحقاف : 16 ] هذا جزاء .
فصحّ أنّ الدّين هو الجزاء .
وكما أنّ الدّين هو الإسلام والإسلام هو عين الانقياد فقد انقاد إلى ما يسرّ وإلى ما لا يسرّ وهو الجزاء .
هذا لسان الظّاهر في هذا الباب .
وأمّا سرّه وباطنه فإنّه تجلّ في مرآة وجود الحقّ : فلا يعود على الممكنات من الحقّ إلّا ما تعطيه ذواتهم في أحوالها ، فإنّ لهم في كلّ حال صورة ، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم فيختلف التجلّي لاختلاف الحال ، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون . فما أعطاه الخير سواه ولا أعطاه ضدّ الخير غيره ؛ بل هو منعّم ذاته ومعذّبها
شرح
بالنسبة إلى المطيعين وبالتجاوز بالنسبة إلى العاصين فنبه بهذا الكلام على أن الجزاء بما يسر يتحقق بالنسبة إلى الفريقين ولا يختص بالأول ( فقد صح أن الدين هو الجزاء ) ، أي معتبر فيه الجزاء هذا نتيجة لما سبق ، أي قد أثبت بما سبق أن الدين الذي اعتبر فيه الانقياد اعتبر فيه الجزاء أيضا ( وكما أن الدين هو الإسلام والإسلام عين الانقياد ) ، أي انقياد العبد لما شرعه اللّه ( فقد انقاد ) ، أي فكذلك قد انقاد الحق سبحانه ( إلى ما يسر ) العبد ( وإلى ما لا يسر ) العبد فتحقق الانقياد من الطرفين ( وهو ) ، أي انقياد الحق إليهما هو ( الجزاء ) لانقياد العبد وعدمه ( هذا ) ، أي جعل أحد الفعلين من العبد والآخر من الحق سبحانه جزاء لما من العبد ( لسان الظاهر في هذا الباب ) ، أي باب الجزاء وبيانه ( وأما سره وباطنه ) ، أي سر الجزاء وحقيقته الباطنة عرفهم أهل الظاهر ( فإنه ) ، أي الجزاء ( تجلي ) ، أي يتجلى من أحوال العبد وظهوره ( في مرآة وجود الحق ) ، تبعا لحال آخر من أحوال ، فالحال الثاني باعتبار تبعيته للأوّل وترتب عليه جزاء له ( فلا يعود على الممكنات من الحق إلا ما تعطيه ذواتهم ) المتقلبة ( في أحوالها فإن لهم في كل حال صورة ) وجودية تناسبه وتخالف الصور الوجودية التي لسائر أحوالهم ( فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم فيختلف التجلي ) ، أي تجلى وجود الحق هذه في الصور ( لاختلاف الحال فيقع الأثر ) ، الذي هو التلذذ أو التعذب ( في العبد بحسب ما يكون ) ، أي يوجد تجلي الوجود الحق بصور أحواله فإن كانت صوره ملائمة له فهي خير وإلا فضده ( فما أعطاه الخير سواه ولا أعطاه ضد الخير غيره ) ، وإنما قال : ضد الخير ولم يقل الشر تنبيها على أن الشر من حيث هو شر لا يقبل الوجود بل من حيث نسبته إلى الخير ومضادته المظهرة إياه كما قيل فبضدها تتميز الأشياء ( بل هو منعم ذاته ومعذبها فلا