وبيانه أنّ المكلّف إمّا منقاد بالموافقة وإمّا مخالف ؛ فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه ؛ وأمّا المخالف فإنّه يطلب بخلافه الحاكم عليه من اللّه أحد أمرين إمّا التّجاوز والعفو ، وإمّا الأخذ على ذلك ، ولا بدّ من أحدهما لأنّ الأمر حقّ في نفسه .
فعلى كلّ حال قد صحّ انقياد الحقّ إلى عبده لأفعاله وما هو عليه من الحال .
فالحال هو المؤثّر .
فمن هنا كان الدّين جزاء أي معاوضة بما يسرّ وبما لا يسرّ .
فبما يسرّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
[ المائدة : 119 ] هذا جزاء بما يسرّ
وَمَنْ يَظْلِمْ
شرح
انقياد مشرعه إليه وإن لم يكن بما يرضيه ( وبيانه أن المكلف المنقاد بالموافقة وإما مخالف ؛ فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه ) ، أي لوضوح حاله وظهور انقياد مشرعه إليه .
( وأما المخالف فإنه يطلب بخلافه الحاكم عليه ) ، فقوله : الحاكم مجرور وعلى أنه صفة للخلاف أو منصوب على أنه مفعول له ، أي لمخالفته الاسم الحاكم عليه ( من اللّه أحد أمرين إما التجاوز والعفو ) عن خلافه بحكم ليظهر حكم اسم العفو والغفور . ( وإما الأخذ على ذلك ) الخلاف ليظهر حكم اسم المنتقم والقهار ( ولا بد من أحدهما لأن الأمر ) ، أي الأمر المقتضي لأحدهما ، وهو استحقاق المكلف المخالف ( حق ثابت في نفسه ) ومقتضى الحق حق ( فعلى كل حال ) من العفو والأخذ ( قد صح انقياد الحق إلى عبده لأفعاله وما هو عليه ) ، أي ولما هو عليه ( من الحال ) المقتضي لأحد الأمرين ( فالحال ) ، أي حال العبد ( هو المؤثر ) في انقياد الحق له ( فمن هنا ) ، أي من أجل أن حال العبد وفعله موافقا كان أو مخالفا هو المؤثر في انقياد الحق له فكان انقياد الحق جزاء لفعله . ( كان الدين جزاء ) ، أي معتبرا فيه الجزاء فإن الانقياد وعدمه يترتبان على الدين وعلى الانقياد وعدمه بترتب الجزاء فيتحقق معنى آخر من معانيه الثلاثة .
وفسر الجزاء وقسمه بقوله : ( أي معاوضة بما يسر وبما لا يسر معا فيما يسر ) ، أي جزاء بما يسر ما يدل عليه قوله تعالى : (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُهذا جزاء لما يسر ) فإن رضي اللّه عنهم يسرهم فيرضون عنه وجزاء بما لا يسر ما يدل عليه قوله تعالى : (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباًأليما هذا جزاء بما لا يسر ) [ الفرقان : 19 ] . فإن أذاقة العذاب مما لا يسرهم بل يسرهم وقوله تعالى : (وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْهذا ) [ الإحقاف : 16 ] ، أي التجاوز المفهوم منه ( جزاء ) أيضا فإن التجاوز أيضا مما يقتضيه حال من أحوال العباد فهو جزاء له ، ولما لم يكن التجاوز جزاء للسيئات كان في كونه جزاء خفاء حكم عليه بأنه لا جزاء ولم يقيده بقوله : بما يسر لظهور كونه منه ولا يخفى أن الجزاء بالرضوان