تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قال تعالى :
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
. وهي النّواميس الحكمية الّتي لم يجيء الرّسول المعلوم بها في العامّة من عند اللّه بالطّريقة الخاصّة المعلومة في العرف . فلمّا وافقت الحكمة والمصلحة الظّاهرة فيها الحكم الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي ، اعتبرها اللّه اعتبار ما شرّعه من عنده تعالى : « وما كتبها اللّه عليهم » . ولمّا فتح اللّه تعالى بينه وبين قلوبهم باب العناية والرّحمة من حيث لا يشعرون جعل في قلوبهم تعظيم ما شرّعوه - يطلبون بذلك رضوان اللّه - على غير الطّريقة النّبويّة المعروفة بالتّعريف الإلهي .
شرح
منه ) ، أي لا من الحق سبحانه ، أي من مقامه الجمعي ( إلا بحكم الأصالة ) ، فإن الأصل في الأفعال الصادرة من مقامه التفصيلي إنما هو مقامه الجمعي . ثم شرع رضي اللّه عنه في بيان الدين الذي عند الخلق ، فقال : ( قال اللّه تعالى :وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) [ الحديد : 27 ] ، أي الطريق التي اخترعها الراهبون وهم العلماء الزاهدون المنقطعون إلى اللّه تعالى من أمة عيسى عليه السلام ( وهي ) ، أي الرهبانية ( النواميس الحكمية ) ، أي الشرائع المشتملة على الحكمة الإلهية والمصلحة الدينية . ولما كانت هذه العبارة شاملة لما شرعه اللّه أيضا أخرجه بقوله : ( التي لم يجيء الرسول المعلوم ) في عرف الجمهور وإنما قيد بذلك ، لأن وسائط الفيض كلها رسل اللّه ( بها ) ، أي بتلك النواميس ( في ) حق ( العامة من عند اللّه ) لا الخاصة فقط كالدين الذي عند الخلق ، وقيد بذلك تنبيها على أن ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يكون مختصا ببعض من الأمة ( بالطريقة الخاصة ) بالأنبياء ( المعلومة في العرف ) وهي طريقة الوحي الجلي وإنما قيد بذلك ، لأن ما جاء به الرسول لا بالطريقة الخاصة بالأنبياء بل بالطريق الشاملة للأولياء أيضا ، فهو من الرهبانية المبتدعة ، ولا يخفى عليك أنه إذا كان الدين الذي هو عند الخلق هي النواميس الحكمية على الوجه الخاص ينبغي أن يكون الدين الذي عند اللّه أيضا تلك النواميس لكن على وجه آخر لا على الانقياد إليها ( فلما وافقت الحكمة والمصلحة الظاهرة فيها ) ، أي في تلك النواميس ( الحكم الإلهي ) الذي هو الدين عند اللّه ( في ) الأمر ( المقصود بالوضع المشروع الإلهي ) وهو تكميل النفوس علما وعملا ( اعتبرها اللّه ) سبحانه وتعالى ( اعتبارا ما شرعه من عنده تعالى وما كتبها ) ، أي ما فرضها ( اللّه عليهم ولما فتح اللّه بينه وبين قلوبهم باب العناية والرحمة من حيث لا يشعرون ) ، أي من الوجه الخاص الذي لم يكن لهم شعور به ( جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوه يطالبون بذلك ) التعظيم وإنما شرعوه ( رضوان اللّه على غير الطريقة النبوية المعروفة ) ، أي