بالانقياد لما شرّعه اللّه له فذلك الّذي قام بالدّين وأقامه أي أنشأه كما يقيم الصّلاة .
فالعبد هو المنشىء للدّين ، والحقّ هو الواضع للأحكام . فالانقياد عين فعلك ، فالدّين من فعلك فما سعدت إلّا بما كان منك .
فكما أثبت السّعادة لك ما كان فعلك كذلك ما أثبت الأسماء الإلهيّة إلّا أفعاله .
وهي أنت وهي المحدثات .
فبآثاره سمّي إلها وبآثارك سمّيت سعيدا .
فأنزلك الحقّ تعالى : منزلته إذا أقمت الدّين وانقدت إلى ما شرعه لك .
وسأبسط في ذلك إن شاء اللّه ما تقع به الفائدة بعد أن نبيّن الدّين الّذي عند الخلق الّذي اعتبره اللّه .
فالدّين كلّه للّه وكلّه منك لا منه إلّا بحكم الأصالة .
شرح
الشرع سر مستور ومضنون به على غير الأنبياء فهو مختص لهم نزولا فسمى باسمهم ( فمن اتصف بالانقياد لما شرعه اللّه له فذلك الذي قام بالدين وأقامه أي أنشأه ) ، كما أمر به في قوله تعالى :شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا[ الشورى : 13 ] ( كما يقيم الصلاة . فالعبد هو المنشيء للدين ) من حيث الانقياد ( والحق هو الواضع للأحكام والانقياد عين فعلك فالدين ) من حيث الانقياد ( من فعلك فما سعدت إلا بما كان منك ) من الانقياد .
( فكما أثبت السعادة لك ما كان فعلك ) يعني الانقياد ، فإن الانقياد للأحكام الإلهية يصف العبد بالسعادة . ( كذلك ما أثبت الأسماء الإلهية له تعالى ) الفعلية ( إلا أفعاله ) فإن الحق سبحانه ما لم يخلق شيئا مثلا لم يتصف بالخلقية ، وإذا لم تقيد الأسماء الإلهية بالفعلية على ما هو الظاهر من كلام الشيخ رضي اللّه عنه . فالمراد بإثباتها إظهارها ( وهي ) ، أي أفعاله ( أنت ) يخاطب كل عين فلا تختص بما له صلاحية الخطاب من ذوي العلم ولهذا صرح ثانيا بما هو نص في العموم فقال : ( وهي ) ، أي أفعاله ( المحدثات فبآثاره سمي إلها وبآثارك سميت سعيدا فأنزلك اللّه تعالى منزلته ) في التسمية بالأسماء بواسطة الآثار ( إذا أقمت الدين وانقدت إلى ما شرعه لك ، وسأبسط في ذلك إن شاء اللّه تعالى ما تقع فيه الفائدة ) ، أي في بيان معنى الانقياد ( بعد أن نبين الدين الذي عند الخلق الذي اعتبره اللّه ) سبحانه .
( فالدين ) سواء كان عند اللّه أو عند الخلق ( كله للّه ) فأما ما عند الخلق أيضا اعتبره اللّه تعالى إذ هو على كلا التقديرين ما شرعه اللّه أو العبد لكن من حيث الانقياد والانقياد إنما يكون للّه ( و ) الدين ( كله ) من حيث الانقياد صادر ( منك ) ، لأنه فعل من أفعالك ( لا