تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ودين عند الخلق ، وقد اعتبره اللّه فالدّين الّذي عند اللّه هو الّذي اصطفاه اللّه وأعطاه الرّتبة العليّة على دين الخلق فقال تعالى :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 132 ) [ البقرة : 132 ] أي منقادون إليه . وجاء الدّين بالألف واللام للتّعريف والعهد ؛ فهو دين معلوم معروف وهو قوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] وهو الانقياد . فالدّين عبارة عن انقيادك ، والّذي من عند اللّه هو الشّرع الّذي انقدت أنت إليه . فالدّين هو الانقياد ، والنّاموس هو الشّرع الّذي شرّعه اللّه . فمن اتّصف
شرح
من ورثتهم طبقة بعد طبقة بتبليغ الأنبياء إليهم ( و ) ثانيهما ( دين ) تعين وتقرر ( عند الخلق ) موافقا لما شرحه اللّه سبحانه في الغاية المترتبة عليه في المعارف الإلهية والكمالات النفسانية والمراتب الأخروية ( وقد اعتبره اللّه سبحانه ) لهذه الموافقة ( فالدين الذي عند اللّه هو الذي اصطفاه ) ، أي اختاره ( اللّه وأعطاه الرتبة العلية على دين الخلق ) والعامل في الجار والمجرور إما الاصطفاء أو العلو على سبيل التنازع ( فقال تعالى ) مشيرا إلى هذا الدين واصطفائه إياه (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( 132 ) أي منقادون إليه ) [ البقرة : 132 ] ، أي إلى ذلك الدين باطنا بالإذعان والقبول ، وظاهرا بالعمل بمقتضاه ، وإنما وصاهم بالانقياد إليه ، لأن الدين الذي هو الأحكام الشرعية الوضعية لا يثمر سعادة ما لم ينقد إليه ، فهذه الوصية تدل على اعتبار الانقياد إلى الدين ينبغي أن يراد به الأحكام الموضوعة لا الانقياد ، فإنه لا معنى للانقياد إلى الانقياد ، ثم أكد ذلك الاعتبار بقوله : ( وجاء الدين ) في قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ( بالألف واللام للتعريف والعهد فهو ) ، أي الدين المعرف بالألف واللام ( دين معلوم معروف ) معهود بين المتكلم والمخاطب ( وهو ) ، أي الدين المعروف ما يدل عليه ( قوله تعالى :إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُوهو ) [ آل عمران : 19 ] ، أي الإسلام ( الانقياد ) فالدين عند اللّه الانقياد وهذا الحكم من قبيل قوله عليه السلام : « الحج عرفة » . مبالغة في اعتبار الانقياد في الدين لا أنه عين الدين ، فإذا كان الألف واللام في الدين الذي وصى به إبراهيم إشارة إلى الدين الذي في قوله :إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُكان الانقياد معتبرا هناك كما أنه معتبر ههنا ( فالدين عبارة عن انقيادك ) ، أي عما شرعه اللّه من حيث انقيادك له ، فهو من هذه الحيثية من عندك ( والذي من عند اللّه ) خاصة من غير مدخلية العبد فيه ( هو الشرع الذي انقدت أنت إليه ) ، أي ذات هذا الشرع من غير اعتبار معنى الانقياد فيه ( فالدين الانقياد ) ، أي ما شرعه اللّه من حيث الانقياد ( والناموس هو الشرع الذي شرعه اللّه ) من غير اعتبار معنى الانقياد فيه ، وإنما سمي ذلك ناموسا فإن ناموس الرجل صاحب سره الذي يخصه ما يستره عن غيره ، ولا شك أن