تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده * وما لوعيد الحقّ عين تعاين
وإن دخلوا دار الشّقاء فإنّهم * على لذّة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد فالأمر واحد * وبينهما عند التّجلّي تباين
يسمّى عذابا من عذوبة طعمه * وذاك له كالقشر والقشر صائن
شرح
الزائل في الحقيقة تطهير وتزكية للمعذب عن موانع اللطف والرحمة فالإخبار به في الحقيقة وعد لا وعيد بخلاف التعذيب الغير الزائل فإنه لا خير فيه بالنسبة إليه : ( فلم يبق إلا صادق الوعد وحده . . . وما لوعيد الحق ) ، أي لما توعد به الحق وهو التعذيب الغير الزائل ( عين تعاين . . . وإن دخلوا ) ، أي أهل الوعيد ( دار الشقاء ) التي هي النار ( فإنهم ) بالآخرة واقعون ( على لذة ) كائن ( فيها ) ، أي في تلك اللذة ( نعيم مباين . . . نعيم جنات الخلد ) ، فقوله : نعيم مباين مبتدأ خبره قوله : فيها المقدم عليه وقوله : نعيم جنات الخلد مفعول للمباين ( فالأمر ) في النعيمين من حيث كون كل واحد منهما نعيم يلتذ به ( واحد . . . وبينهما ) ، أي بين النعيمين ( عند التجلي ) الواقع بحسب استعدادات المتجلي لهم ( تباين ) في الصورة فإن نعيم أهل الجنة إنما يظهر بصورة الحور والغلمان والولدان وغيرها ، ونعيم أهل النار بصورة النيران فإنهم يتلذذون بها وإن كان بعد تطاول الأزمان ( يسمى ) نعيم أهل النار ( عذابا من عذوبة طعمه . . . ) آخرا ( وذاك ) ، أي تسميته عذابا ( له كالقشر والقشر صائن ) للبه من تطرق الآفة فالآفة إليه ، فكما أن القشر يصون لبه عن الآفات كذلك لفظ العذاب يصون معناه عن إدراك المحجوبين عن حقائق الأشياء ، اعلم أن لأهل النار الخالدين فيها كما يظهر من كلام الشيخ رضي اللّه عنه وتابعيه حالات ثلاث . الأولى : أنهم إذا دخلوا تسلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم وملكهم الجزع والاضطراب ، فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب أو أن يقضى عليهم أو أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا إلى طلباتهم . والثانية : أنهم إذا لم يجابوا إلى طلباتهم وطنوا أنفسهم على العذاب فعند ذلك رفع اللّه العذاب عن بواطنهم وخبتنارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ( 7 ) [ الهمزة : 6 - 7 ] . والثالثة : أنهم بعد مضي الأحقاب ألفوا العذاب وتوعدوا به ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ، ولم يتألموا به وإن عظم إلى أن آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به ويستعذبونه ، حتى لو هب عليهم نسيم من الجنة استكرهوه وتعذبوا به كالجعل وتأذيه برائحة الورد ، عافانا اللّه وجميع المسلمين من ذلك .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 207 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي