تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
بالذّات فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، بل بالتّجاوز .
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
[ إبراهيم : 47 ] ، ولم يقل ووعيده ، بل قال :
وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ
[ الأحقاف : 16 ] مع أنّه توعّد على ذلك . فأثنى على إسماعيل بأنّه كان صادق الوعد . وقد زال الإمكان في حقّ الحقّ لما فيه من طلب المرجّح .
شرح
من العبيد حيث أخرجهم من العدم إلى الوجود وجعلهم مظاهر أسمائه وصفاته الجميلة ( الثناء المحمود بالذات ) وقوله : المحمود إما صفة كاشفة للثناء أو مقيدة بناء على أن يطلق الثناء على إثبات الصفات مطلقا ( فيثني عليها ) ، أي على الحضرة الإلهية ( بصدق الوعد ) ، وإتيانها بالموعود ( لا بصدق الوعيد ) وإتيانها بما توعدت به ( بل بالتجاوز ) والعفو عما يوجب الوعيد فإن قلت : التجاوز والعفو يستلزم كذب الخبر الدال على الوعيد والحضرة الإلهية منزهة عن ذلك . قلت : لعل الشيخ رضي اللّه عنه ذهب إلى أن الوعيد ليس بخير حقيقة ، بل هو تهديد وزجر إذ قد تقرر في العربية أن الكلام الخبري يجيء لمعان كثيرة غير الإعلام والإخبار كالتلهف والتحسر والدعاء وغير ذلك ، ثم استشهد رضي اللّه عنه إلى أن الثناء لا يكون إلا بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بقوله تعالى : (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) [ إبراهيم : 47 ] حيث خص نفي إخلاف الوعد بالذكر في مقام الثناء ( ولم يقل ) مخلف وعد رسله ( ووعيده ) ولم ينف إخلاف الوعيد أيضا ، ولا يخفى على الفطن أن هذه العبارة لا تقتضي وقوع الوعيد بالنسبة إلى الرسل فضلا عن أن يكون في القرآن حتى يرد ما أورده بعض الفضلاء من أنه لم يجئ في القرآن المجيد وعيد الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم . ويدل على أنه رضي اللّه عنه لم يقصد وقوع الوعيد بالنسبة إلى الرسل قوله : ( بل قال :وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) [ الأحقاف : 16 ] ضمير الجماعة ليس عائدا إلى الرسل فهو سبحانه وعد بالتجاوز عن السيئات ( مع أنه توعد على ذلك ) ، أي على اقتراف السيئات وهو لا يخلف وعده فيتجاوز عن السيئات فلزم إخلاف الوعيد على اقترافها ( فأثنى على إسماعيل عليه السلام بأنهكانَ صادِقَ الْوَعْدِفقد زال الإمكان ) [ مريم : 54 ] ، أي إمكان وقوع الوعيد ( في حق الحق سبحانه لما فيه ) ، أي في الإمكان ( من طلب المرجح ) يعني ما يرجح جانب الوقوع على أن لا وقوع ولا مرجح ههنا ، فإن المرجح هو السيئات وهي متجاوز عنها فإن قلت : دخول بعض عصاة المؤمنين النار وخلود الكافرين كما يشهد به القرآن ، وصرح به الشيخ رضي اللّه عنه أيضا يدل على وقوع الوعيد ، فكيف يصح الحكم بزوال إمكانه . قلت : الوعيد حقيقة الإخبار بهول التعذيب بالنار لا التعذيب مطلقا ، فإن التعذيب
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 206 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي