تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
فتقابلت الحضرتان تقابل الأمثال ، والأمثال أضداد لأنّ المثلين لا يجتمعان إذ لا يتميّزان . وما ثمّ إلّا متميّز ، فما ثمّ مثل فما في الوجود مثل ، فما في الوجود ضدّ ، فإنّ الوجود حقيقة واحدة والشّيء لا يضادّ نفسه .
فلم يبق إلّا الحق لم يبق كائن * فلا ثمّ موصول وما ثمّ بائن
بذا جاء برهان العيان فما أرى * بعينيّ إلّا عينه إذ أعاين
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
[ البينة : 8 ] أن يكون هو لعلمه بالتّمييز .
شرح
لهم ( فتقابلت الحضرتان ) : حضرة الربوبية وحضرة العبودية المفهومتان من قوله تعالى :رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ( تقابل الأمثال ) فكل واحدة منهما تماثل الأخرى وتشابهها في كونها راضية مرضية ( والأمثال أضداد ) ولا ضد في الوجود في نظير شهود صاحب مقام الجمع ، فلا مثل في الوجود في نظر شهوده فينتفي عنده التقابل ، فلا يحكم كشفه به ، وإنما قال : الأمثال أضداد ( لأن المثلين لا يجتمعان ) في محل واحد ( إذ ) حيث يجتمعان فيه ( لا يتميزان ) ، لأن تميزهما لا يكون إلا بتميز المحل ( وما ثمة ) ، أي في مرتبة الأمثال ( إلا متميز ) فالمثلان متميزان فلا يجتمعان فهما ضدان ( فما ثمة ) ، أي في حضرة الربوبية والعبودية ( مثل فما في الوجود مثل ) لانحصار الوجود في تلك الحضرات وإذا لم يكن في الوجود مثل ( فما في الوجود ضد ) ، لأن الأضداد أمثال لتماثلهما في الضدية وإن كان متفرعا على ما سبق ، لكنه رضي اللّه عنه استدل عليه لزيادة التوضيح بقوله : ( فإن الوجود حقيقة واحدة ) نافية للكثرة ( والشيء لا يضاد نفسه ) لا في ضمن المماثلة ولا في غيرها وإذا ارتفعت الأمثال والأضداد ، ( فلم يبق ) في الوجود ( إلا ) الواحد ( الحق كائن ) سواه ( فما ثم ) شيء ( موصول ) بشيء آخر بالمماثلة ( ولا ثم ) شيء ( بائن ) عن شيء آخر بالمضادة ( بذا ) ، أي بما ذكرنا من الوحدة الصرفة ( جاء برهان العيان ) والكشف ( فما أرى بعيني ) البصريين أو البصر والبصيرة ( إلا عينه ) واحد بالوحدة الصرفة الغير المتكثر بالأمثال والأضداد ( إذ أعاين ) . ولما نفى الشيخ رضي اللّه عنه وجود الأمثال وتقابلها المستلزم نفيها ، نفى المتقابلين أعني الراضي والمرضي من الحق والخلق . وكان ذلك النفي نظرا إلى شهود صاحب مقام الجمع أراد أن يثبتهما نظرا إلى شهود صاحب مقام الفرق بعد الجمع ، ويشير إلى أن في الآية أيضا إشارة إلى إثباتهما إنما هو بالنظر إليه لا مطلقا فقال : ( ذلك ) ، أي إثبات التقابل والحكم بكون الرب راضيا والعبد مرضيا وبالعكس (لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ[ البينة : 8 ] أن يكونه ) ، أي يتحد به لغلبة شهود الوحدة عليه ويرتفع التمييز بينهما في نظر شهوده فيختل أمر العبودية والربوبية وهذه الخشية إنما هي ( لعلمه بالتمييز )
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 203 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي