وأمّا الأحديّة الإلهيّة فما لواحد فيها قدم ، لأنّه لا يقال لواحد منها شيء ولآخر منها شيء ، لأنّها لا تقبل التبعيض .
فأحديته مجموع كلّه بالقوة .
والسّعيد من كان عند ربّه مرضيّا ؛ وما ثمّ إلا من هو مرضيّ عند ربّه لأنّه الذي يبقي عليه ربوبيّته فهو عنده مرضيّ فهو سعيد .
شرح
المتشخصة بعض المربوبات أيضا فلا حاجة إلى هذا الاستثناء إلا أنه فيما سيأتي نوع نبوة منه .
( وأما الأحدية الإلهية ) ، أي أحدية مسمى اللّه ( فما لأحد فيها ) مع بقائها على حالها ( قدم ) بأن يكون له منها جزء أو حصة تقدم عليه ( لأنه لا يقال لواحد منها شيء ) جزءا كان أو حصة ( ولآخر منها شيء ) كذلك ( لأنها لا تقبل التبعيض ) تجزئة كان أو تحصيصا لأنها ليست إلا اعتبارا مسقطا للاعتبارات كلها ، ولا بد في صيرورتها حصصا أو أجزاء من اعتبار صحة انضياف الأمور الخارجة إليها وانقسامها إلى الأمور الداخلة فيها وكل ذلك ينافي الأحدية ، والحقيقة المطلقة الإلهية لا تتجزأ ولكنها تتحصص ففي كل شيء حصة منها فهي بكلياتها سارية في الكل من غير تجزئة ( فأحديته مجموع ) يعني إذا كانت الأحدية الإلهية لا تقبل التبعيض فأحدية مسمى اللّه مجموع أي مجموع أسماء فصلت في المرتبة الواحدية ( كله ) ، أي كل ذلك المجموع مندمج فيه ( بالقوّة ) أما اندماجه فيه فلأن مرتبة الأحدية إجمال مرتبة الواحدية ، وأما كونه بالقوّة فلأنه إذا خرج ذلك المجموع من القوّة إلى الفعل انقلبت الأحدية واحدية فقوله : وأحدية مبتدأ ، ومجموع خبره ، وكله مبتدأ آخر ، وبالقوّة خبره .
والجملة صفة لمجموع .
( والسعيد من كان عند ربه مرضيا وما ثمة ) ، أي في الوجود ( إلا من هو مرضي عند ربه لأنه ) ، أي المربوب هو ( الذي يبقى عليه ) ، أي على الرب ( ربوبيته ) ، أي ربوبية الرب إذ لولا المربوب لعدم الرب من حيث هو رب ، ويمكن أن يقال إن الرب يبقى على المربوب ربوبية الرب أو ربوبية المربوب ، أي وجوده وما يتبعه من الأحكام ، فهذا الإبقاء دليل على رضا الرب عنه إذ لو لم يرض بوجود المربوب وما له وما يصدر عنه لما أبقاه ( فهو ) ، أي المربوب ( مرضي عنه ) ، أي عند ربه ( فهو سعيد ) وإنما قيدنا السعيد في الموضعين بقوله عند ربه لأن للمربوب سعادتين إحداهما : سعادة بالنسبة إلى ربه وأخراهما سعادة بالنظر إلى نفسه وأحواله ، فالأولى : كونه بحيث يتأتى منه ما خلق له وتظهر فيه أحكام ربه على وجه يرضى به ، ولا يخفى أن كل موجود مرضي سعيد بهذا المعنى ولا يتصور فيه الشقاوة إلا بالقياس إلى رب مربوب آخر لو لم يكن لهذا الموجود