الكتاب فهي يتيمة الوقت وفريدته فإيّاك أن تغفل عنها .
فإنّ تلك الحضرة الّتي يبقى لك الحضور فيها مع الصّورة ، مثلها مثل الكتاب الذي قال اللّه تعالى فيه :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] .
فهو الجامع للواقع وغير الواقع .
ولا يعرف ما قلناه إلّا من كان قرآنا في نفسه . فإنّ المتّقي للّه يجعل له فرقانا .
وهو مثل ما ذكرناه في هذه المسألة فيما يتميّز به العبد من الرّبّ وهذا الفرقان ، أرفع فرقان .
شرح
هذا الكتاب فهي يتيمة الوقت وفريدته فإياك أن تغفل عنها ) وعلل رضي اللّه عنه الوصية بعدم الغفلة عن هذه المسألة بقوله : ( فإن تلك الحضرة التي يبقى لك الحضور فيها مع الصورة ) ، أي صورة ما خلقه ( مثلها ) ، أي حالها وشأنها ( مثل الكتاب الذي قال اللّه ) تعالى ( فيه ) ، أي في شأنه (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) [ الأنعام : 38 ] وإذا لم يفرط فيه من شيء ( فهو الجامع للواقع ) في الماضي والحال ( وغير الواقع ) في الماضي والحال الذي يقع إلى الأبد في الاستقبال فكذلك تكون تلك الحضرة جامعة للصور الواقعة فيها وللصور الغير الواقعة فيها الواقعة في سائر الحضرات فإنها كالأثر من الحضرات التي تخصها فتعلم بها كما يعرف الأثر بالمؤثر ، أو نقول الحضرات كلها صور للحقائق الإلهية مرتبة بعد مرتبة ، وكل واحدة منها متحدة مع سائرها من حيث تلك الحقائق ، فمعرفة كل واحدة منها على ما هي عليه تستتبع معرفة الباقية ، فالحضرة الخاصة التي يحضر معها العارف مثلها مثل الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء ( ولا يعرف ) معرفة ذوق ووجدان ( ما قلناه ) من عدم التفريط في الكتاب من شيء ومماثلة الحضرة الخاصة التي يحضر معها العارف لذلك الكتاب ( إلا من كان قرآنا في نفسه ) جامعا للحضرات كلها تحقيقيا واجدا أحكامها في ذاته وإنما يعرف من كان قرآنا في نفسه ما قلناه ( فإن المتقي اللّه ) يعني المتحقق بحقيقة الاتقاء الحائز بالتحقق بها مرتبة الجمعية القرآنية ، فإن حقيقة الاتقاء هي : اتخاذ العبد الحق سبحانه وقاية لذاته وصفاته وأفعاله باتصافها إليه سبحانه وانقطاع نسبتها من العبد وليست الجمعية القرآنية إلا ذلك ( يجعل ) اللّه ( له فرقانا ) ، أي نورا في باطنه فارقا بين الحقائق التي من جملتها ما قلناه فلا جرم يعرفه ( وهو ) ، أي الفرقان الذي يجعله اللّه للمتقي ( مثل ما ذكرناه في هذه المسألة ) ، أي واحد من جزئياته ما ذكرناه ( فيما يتميز ) ، أي في معنى يتميز ( به العبد من الرب وهذا الفرقان أرفع فرقان ) ، لأن الفرقان إما بين الحقائق الإلهية والكونية أو بين الحقائق الإلهية فقط بأن تميز بعضها عن بعض ، أو بين الحقائق الكونية كذلك فلا شك أن الفرق الأوّل أرفع