فوقتا يكون العبد ربا بلا شكّ * ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك
فإن كان عبدا كان بالحقّ واسعا * وإن كان ربّا كان في عيشة ضنك
ومن كونه ربّا يرى الخلق كلّه * يطالبه ومن حضرة الملك والملك
فمن كونه عبدا يرى عين نفسه * وتتّسع الأمال منه بلا شكّ
ويعجز عمّا طالبوه بذاته * لذا تر بعض العارفين به تبكي
فكن عبد ربّ لا تكن ربّ عبده * فتذهب بالتّعليق في النّار والسّبك
شرح
رتبة من الأخيرين ، فإنه لو لم يفرق بين الحق والخلق لأدى ذلك إلى مفاسد كثيرة بخلاف الأخيرين ( فوقتا ) ، أي في مقام الفناء في اللّه ( يكون العبد ) الكامل ( ربا بلا شك ) لانقهار جهة عبوديته في ربوبيته ( ووقتا ) ، أي في مقام البقاء بعد الفناء ( يكون العبد ) الكامل أيضا ( عبدا ) محضا ( بلا إفك ) محضا من غير شائبة مربوبية فيه ( فإن كان ) ذلك العبد ( عبدا ) كاملا قائما بربه ( كان بالحق ) ، أي بسبب ظهور الحق فيه وفنائه في الحق تعالى ( واسعا ) في عيشة من غير ضيق فيها ، فإنه لا يطالب بشيء حتى يقع في ضيق بالعجز عن الإتيان به ( وإن كان ربا كان في عيشة ضنك ) ، أي ضيقة لأنه يطالب حينئذ بالأشياء ويعجز عن الإتيان بها ، فيقع في ضنك وضيق ( فمن كونه عبدا يرى ) ، أي يبصر ( عين نفسه ) من غير أن يرى الخلق معه علاقة مطالبة ( وتتسع الآمال منه بلا شك ) ، أي تقع آمال الآملين ، أي أصحابها في سعة من كونه عبدا لا يطالبه الآملون بشيء ، بل يطالبون الحق سبحانه فيظفرون بمأمولاتهم فيقعون في سعة من حصولها بخلاف ما إذا كان ربا فإنهم طالبوه بأشياء لم يظفروا بها فوقعوا في ضيق ( ومن كونه ربا يرى الخلق كله يطالب من حضرة الملك ) بضم الميم ( والملك ) بفتحها وهو القوة .
والمراد به المنعوت بقرينة الملك ، وقوله من حضرة الملك والملك بيان للخلق كله ( ويعجز عما طالبوه بذاته ) ، أي يكون ذلك العجز مسببا عن ذاته ، فإن العجز والضعف من لوازم ذات الممكن ( لذا تر ) مخفف ترى لاستقامة الوزن ( بعض العارفين به ) ، أي بالحق وبهذا الحكم ( يبكي ) لعدم تمكنه من الإتيان بما يطالب به ( فكن عبد رب لا تكن رب عبد ) ، أي عبد الرب ( فتذهب ) عن مقام العبودية إلى مقام الربوبية أو تزول أو تضمحل حال كونك ملتبسا ( بالتعليق في النار ) ، أي نار الحرمان من إنجاح آمال الآملين ( والسبك ) ، أي ملتبسا بالسبك ، أي الإذابة فيها ولهذه الأبيات احتمالات أخر غير ذلك وليس المراد بما ذكرنا انحصار المراد فيه وباللّه الوفيق .