ضبط جميع الحضرات وهو لا يغفل مطلقا ، بل لا بدّ له من حضرة يشهدها ، فإذا خلق العارف بهمّته ما خلق وله هذه الإحاطة ظهر ذلك الخلق بصورته في كلّ حضرة وصارت الصّور يحفظ بعضها بعضا فإذا غفل العارف عن حضرة ما أو عن حضرات وهو شاهد حضرة ما من الحضرات ، حافظ لما فيها من صورة خلقه انحفظت جميع الصّور بحفظه تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها .
لأنّ الغفلة لا تعمّ قطّ في العموم ولا في الخصوص .
شرح
يكون العارف ) لسعة قلبه ( قد ضبط جميع الحضرات ) الخمس الكلية التي هي حضرة المعاني وحضرة الأرواح وحضرة المثال المطلق وحضرة المثال المقيد وحضرة الحس والشهادة ( وهو لا يغفل مطلقا ) ، أي والحال أنه ليس من شأنه أن يغفل غفلة مستوعبة لجميع الحضرات ( بل لا بد له من حضرة يشهدها فإذا خلق العارف بهمته ما خلق وله هذه الإحاطة ) بالحضرات ( ظهر ذلك الخلق بصورته ) الخاصة له ( في كل حضرة وصارت الصور تحفظ بعضها بعضا ) بسراية جمعية همته من كل صورة إلى سائرها ( فإذا غفل العارف عن حضرة ما أو عن حضرات وهو شاهد حضرة ما من الحضرات حافظ لما فيها ) ، أي في تلك الحضرة ( من صور خلقه ) التي في تلك الحضرات ( انحفظت جميع الصور ) في جميع الحضرات ( بحفظ تلك الصورة الواحدة في الحضرة التي ما غفل عنها ) وعدم غفلته عنها لما لا بد له من حضرة يشهدها ( لأن الغفلة ما تعم ) الحضرات كلها ( قط ) بأن لا يحضر أحد مع واحدة منها ( لا في العموم ) ، أي عموم الخلائق ( ولا في الخصوص ) ، أي خصوصهم فإن غاب العارف من حضرة فلا بد أن يحضر مع حضرة أخرى فلا يغفل عن جميع الحضرات وإن لم يعقل عن جميع الحضرات ولهذا ينعدم مخلوق العارف بالإعراض عنه مطلقا .
ومثال ذلك ما إذا خلق العارف بجميعة الهمة خارج محل الهمة كالحس مثلا صورة محسوسة وحفظها بدوام شهودها والحضور معها حسا فمتى طرأ عليه غفلة بالنوم مثلا وغاب عن الحس عدمت هذه الصورة المحسوسة عن مرتبة الحس ولم تبق ، لأن شرط بقائها إنما هو حضور العارف معها حسا . وقد زال ذلك الشرط إلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات فكان عارفا بحضرة الحس وحضرة المثال والخيال وارتباط بعضها ببعض وسرت جمعية همته من بعضها إلى بعض فإنه حينئذ وإن غفل عن حضرة الحس وعن شهود صور مخلوق وموجود بها لكنه يشهده في حضرة الخيال ، أو المثال مخلوقا موجودا فيحفظه فتنحفظ بصورته الخيالية صورته الحسية .
ومن فروع ذلك الأصل ما ذكره الشيخ رضي اللّه عنه في الفتوحات : أن الأبدال أنهم إذا فارقوا موضعا ويريدون أن يخلفوا بدلا منهم في ذلك الموضع لأمر يرونه فيه