تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
بل أقول لو أنّ ما لا يتناهى وجوده يقدّر انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ بذلك في علمه . فإنه قد ثبت أنّ القلب وسع الحقّ ومع ذلك ما اتّصف بالرّي فلو امتلأ ارتوى . وقد قال ذلك أبو يزيد . ولقد نبّهنا على هذا المقام بقولنا .
يا خالق الأشياء في نفسه * أنت لما تخلقه جامع
شرح
بالقياس إلى الموجودات كلها فإن لها أيضا هذه النسبة إلى سعة قلبه بل قلب كل عارف ولهذا قال رضي اللّه عنه مترقيا عما قاله أبو يزيد ( بل أقول لو أن ما لا يتناهى وجوده ) روحانيا كان أو جسمانيا مما وجد ويوجد إلى الأبد ، فإن الموجودات بالفعل في كل زمان متناهية ( يقدر ) ، أي يفرض ( انتهاء وجوده ) ولو كان مستحيلا وإنما قدر ذلك لأن غير المتناهي لا يحاط ( مع العين الموجودة له ) ، أي التي هي واسطة في اتحاده وهي الحق المخلوق به المشار إليه بقوله تعالى :وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ[ الحجر : 85 ] وقع ( في زاوية من زوايا القلب العارف ) سواء كان أبا يزيد أم غيره ( ما أحس بذلك ) حال كونه حاصلا ( في علمه ) منطويا فيما بين معلوماته ونبه رضي اللّه عنه بهذا القيد إلى أن المراد بعدم الإحساس به أن لا يكون له قدر محسوس لا نفي العلم ثم استدل رضي اللّه عنه على ما قال بقوله ( فإنه قد ثبت ) بما قال تعالى : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » ( أن القلب وسع الحق ) وذلك لاستعداده وتجلياته الذاتية والاسمائية الغير المتناهية واحدا بعد واحد ( ومع ذلك لا يتصف بالري ) ، أي لا يقنع بما يحصل له ( فلو امتلأ ) ، أي القلب بالحق لانتهاء استعداداته وامتلائها بما يرد عليه من صور التجليات ( ارتوى ) وقنع بما يرد عليه ولكنه لا يمتلئ ولا يرتوي لأن كل تجل يرد عليه يورث له استعدادا وتعطشا إلى تجل آخر . وهكذا إلى غير النهاية فأين هو من الامتلاء والارتواء وإذا لم يمتل ولم يرتو فكل ما فرض متناهيا لم يكن له قدر محسوس بالنسبة إلى استعداداتها الغير المتناهية . ( وقد قال ذلك ) ، أي ما ذكر من عدم اتصاف القلب بالري ( أبو يزيد ) في قوله : الرجل من يتحسى بحار السماوات والأرض ولسانه خارج يلهث عطشا وقوله :شربت الحب كأسا بعد كأس * فما نفد الشراب وما رويت( ولقد نبهنا على هذا المقام بقولنا : يا خالق الأشياء ) ، يعني مقدر أعيانها الثابتة في العلم ومفيض الوجود على تلك الأعيان في العين ( في نفسه ) ، أي في ذاته ( أنت لما تخلقه جامع ) ، أما بحسب مرتبة الجمع فلكون الأعيان الثابتة والخارجية مندرجة مندمجة
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2254 والهروي في المصنوع ( ج 1 ص 291 ) .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 189 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي