فإن قلت هذا الحقّ قد تك صادقا * وإن قلت أمرا آخرا أنت عابر
وما حكمه في موطن دون موطن * ولكنّه بالحقّ للخلق سافر
إذا ما تجلّى للعيون تردّه * عقول ببرهان عليه تثابر
ويقبل في مجلى العقول وفي الذي * يسمّى خيالا والصّحيح النّواظر
يقول أبو يزيد في هذا المقام : « لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به » .
وهذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام .
شرح
كالجسمانيات ( فإذا قلت ) مشيرا إلى ما رأيته من تلك الصور ( هذا ) المرئي هو ( الحق ) تعالى ( قد تك صادقا ) باعتبار اتحاد الظاهر بالمظهر ( وإن قلت ) هذا المرئي ( أمرا آخر ) غير الحق ( أنت عابر ) ، أي متجاوز من جهة الوحدة بين الظاهر والمظهر إلى جهة الكثرة والمغايرة بينهما ( وما حكمه ) الذي هو تجليه الوجودي منحصرا ( في موطن دون موطن ، ولكنه ) سبحانه ( بالحق ) ، أي بتجليه بالوجود الحق ( للخلق سافر ) ، أي كاشف للخلق ومظهر إياهم بكشف حجاب الخفاء عن وجوه أعيانهم الثابتة ( إذا ما تجلى للعيون ) الحسية أو الحالية التي من شأنها الاقتصار على التشبيه في صورة حسية أو مثالية ( ترده عقول ) ناقصة مقتصرة على التنزيه غير مهتدية بنور الكشف والمشاهدة إلى الجمع بين التنزيه والتشبيه وذلك الرد إنما هو ( ببرهان ) أي بسبب برهان ( عليه تثابر ) وتواظب تلك العقول ما ينتج تنزيهه تعالى عما يثني عن التشبيه ( ويقبل ) ، أي تجليه للعقول ( في مجلى العقول ) ، أي في مجلى ترتضيه العقول وهو مقام التنزيه ( و ) يقبل للخيال ( في ) المجلى ( الذي يسمى خيالا ) فما تقبله العقول يرده الخيال وما يقبله الخيال ترده العقول ( و ) الشهود ( الصحيح النواظر ) ، أي شهود النواظر المشار إليها بقوله تعالى :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ( 22 )إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] التي تشاهد الحق سبحانه في المجالي كلها حسية كانت ، أو مثالية أو عقلية .
( يقول أبو يزيد رضي اللّه عنه في هذا المقام ) ، أي مقام هذا الكشف التام والشهود العام ( لو أن العرش وما حواه ) ، أي من السماوات والأرضين وما فيهما ( مائة ألف ألف مرة ) وقع ( في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس ) ، أي العارف وقلبه ( به ) لحقارتها بالنسبة إلى سعة قلبه لأنها متناهية ، وسعة القلب غير متناهية لأنه بإطلاقه مقابل لإطلاق الحق الغير المتناهي وليس للمتناهي قدر محسوس بالنسبة إلى غير المتناهي ( وهذا ) الذي ذكرناه من قول أبي يزيد ( وسع أبي يزيد ) ، أي بيان وسعه وتصوير سعة قلبه بل سعة قلب العارف مطلقا بالنظر ( في عالم الأجسام ) وقياسه إليه تقريبا إلى فهم المحجوبين لا