يقتضيه موطن الرّؤيا من التّعبير أم لا ؟ لأنّه يعلم أنّ موطن الخيال يطلب التّعبير فغفل فما وفّى الموطن حقّه ، وصدّق الرّؤيا لهذا السّبب .
كما فعل تقي بن مخلّد الإمام صاحب المسند ، سمع في الخبر الّذي ثبت عنده أنّه عليه السّلام قال : « من رآني في النّوم فقد رآني في اليقظة فإنّ الشّيطان لا يتمثّل على صورتي » فرآه تقي بن مخلد وسقاه النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم في هذه الرّؤيا لبنا فصدّق تقيّ بن مخلّد رؤياه واستقاء فقاء لبنا . ولو عبّر رؤياه لكان ذلك اللّبن علما . فحرمه اللّه
شرح
الحق سبحانه اختبر إبراهيم عليه السلام أنه ( هل يعلم ما يقتضيه ) غالبا ( موطن التعبير ) من الرؤيا ( أم لا ) يعلم وإنما اختبره ( لأنه تعالى يعلم أن موطن الخيال ) إذا تمثل فيه معنى ( يطلب التعبير ) غالبا ( فغفل ) إبراهيم عليه السلام عما تستحقه مواطن الخيال ( فما وفي الموطن حقه وصدق الرؤيا لهذا السبب ، كما فعل تقي بن مخلد الإمام صاحب المسند ) في الحديث .
( سمع في الخبر الذي ثبت عنده أنه عليه السلام قال من رآني ) على ما أنا عليه من الحلية ( في النوم ) حقيقة ( فقد رآني في اليقظة ) ، أي حكما أي لرؤيتي في النوم حكم رؤيتي في اليقظة فيما سيأتي ( فإن الشيطان لا يتمثل على صورتي ) « 1 » وإنما لم يتمثل الشيطان بصورته عليه السلام ، لأنه مظهر للاسم الهادي ومبعوث للهداية والشيطان مظهر للاسم المضل ومخلوق للإضلال فلو كان له تمكن من التمثل بصورته عليه الصلاة والسلام لاختل أمر الهداية فإن قلت : لا يلزم من عدم تمكن الشيطان من التمثل بصورته عليه السلام أن تكون صورته المثالية عينه عليه السلام لا غيره لجواز أن يتمثل بصورته ملك أو روح أو إنسان أو معنى من المعاني كشرعه وسننه وغير ذلك مما له نسبة إليه في معنى الهداية وغيرها .
قلت : يمكن أن تكون سنة اللّه تعالى جارية بأن لا يتمثل بصورته وحليته عليه السلام شيء أصلا تعظيما لشأنه ويكون تخصيص الشيطان بالذكر للاهتمام بنفي تمكنه من التمثل بصورته عليه السلام لما لا يخفى وجهه ( فرآه ) ، أي النبي صلى اللّه عليه وسلم ( تقي بن مخلد وسقاه النبي صلى اللّه عليه وسلم لبنا فصدق تقي بن مخلد رؤياه ) بعدما استيقظ ( فاستقاء فقاء لبنا ، ولو عبر رؤياه لكان ذلك اللبن علما ) تمثل بصورة اللبن فإن اللبن كما أنه يغذي الأبدان ويربها من أول الفطرة إلى آخرها كذلك العلم يغذي الأرواح في جميع أحوالها ( فحرمه )
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب التعبير ، باب من رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام رقم ( 6996 ) ومسلم في صحيحه ، كتاب الرؤيا ، باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من رآني في المنام فقد رآني » ، حديث رقم [ 11 - ( 2266 ) ] . ورواه غيرهما .